حركة اللجان الثورية حركة سياسية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب
 

بين المجانية والمقابل

إن المجانية قضية هامة وخطيرة كما أنها ليست مفهومة في ذات الوقت، بسبب توجه النظم الإصلاحية ذات الحلول التلفيقية إلى نهج المجانية هذه، في كثير من مجالات الخدمات، كالتعليم و العلاج و المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها.
وهي قد انتهجت هذه السياسة الاصلاحية التلفيقية بسبب عدم تمكنها من إيجاد حل جذري للمشكلات الاجتماعية، ويوضح اتجاهها هذا مدى التخبط والارتباك والتذبذب وضبابية الرؤية التي تعانيها هذه الأنظمة القاصرة فكريا وعمليا، فتعالج قصورها وانحطاطها بدغدغة نوازع الاستهلاك لدى الأفراد في محاولة للحفاظ على البقاء في السلطة . إذ ليس هناك ما يبرر المجانية إطلاقا، ما دام كل فرد يأخذ عائد عمله دون أن يبقى منه شيئا في الخزينة العامة للمجتمع. ولو كانت الضروريات هي التي يجب أن تكون مجانية، فان الأكل واللباس مثلا أكثر ضرورة من كل تلك الأشياء التي يطالب بعض الناس بمجانيتها. وبرغم ذلك فاننا لا نجد من يتجرأ ليطالب بمجانية الأكل واللباس.. وغير ذلك من الضروريات الأولية.
غير أن سياسة المجانية هذه، ليست سوى عملية ترميم رأسمالية يقوم بها نظام إصلاحي تلفيقي بقصد الاستغلال، ولسبب العجز في مواجهة المشكلات الحيوية للمجتمع، وعدم ايجاد حلول جذرية صحيحة لها، وعدم القدرة على إقناع الناس بالسياسة المتخلفة التي تنتهجها هذه الأنظمة على مختلف الأصعدة.
وعند هذه النقطة جاءت المجانية كممارسة الخداع والغش، لتمرير السياسات الفاسدة، وإلا فهل يستطيع أحد أن يجيبنا، لماذا المجانية؟
لماذا المجانية والجميع يعملون ويتقاضون رواتبهم؟ من أجل ماذا يتقاضون هذه الرواتب؟ أليس من أجل إشباع حاجاتهم!
عندما يعمل هؤلاء الناس ويأخذون مقابل عملهم، ماذا يبقى في يد المجتمع أو في يد أي أحد آخر ليقدم الخدمات لجميع الأفراد مجانا؟!
من هو الذي سيتصدق على جميع الناس، ومن أين له، وقد نال الناس أموالهم، دون أن يتركوا منها شيئا؟!
من هو الذي سيقدم الخدمات مجانا وقد نال كل فرد إنتاجه دون أن يبقى منه شيئا. إنه حين يطلب أحد الناس خدمة مجانية فانها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع بل هي بثمنها. وحيث لم يبق في يد المجتمع أي قدر من المال فكيف يمكنه أن يقدم خدمة دون مقابل؟! إن المجانية تتحقق في حالة واحدة، وهي عندما يعمل الجميع ويتنازلون عن إنتاجهم لصالح المجتمع، عندئذ تكون خزانة المجتمع قادرة على تقديم جميع الخدمات دون مقابل.
إن المجتمع الاشتراكي لا يمكنه أن يؤاخي بين المجانية والمقابل، فإما أن يتنازل المنتجون عن المقابل الذي يتقاضونه وإما أن يتحملوا ثمن الخدمات التي يتلقونها من هذا المقابل الذي يأخذونه على شكل راتب.
فالمجتمع الاشتراكي الجديد مبني على قواعد علمية وقوانين ثابتة لا يمكن تجاوزها، وإلا انهار البناء كاملا بل اننا لن نكون قادرين على فهم بنية هذا المجتمع، وتحليل فكرته ما لم نلم بهذه القوانين، الماما تاما، فكأى مسألة جبرية أو هندسية يلزم لها استخدام قانون محدد للتمكن من معرفة نتيجتها، كذلك يلزم الالمام بقانون المجتمع الجماهيرى، وقواعده العلمية التي نتج عنها. وتلك التي ترتبت على وجوده، من أجل مواجهة المعضلات العلمية التي تحتاج إلى تقديم حل لها، وتقتضي معالجة خاصة في ضوء ذلك بحيث يستقيم وضعها مع البنية الهيكلية للمجتمع الجماهيرى.
ان المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية التنفيذية، واللجان الثورية ذات المهمة التحريضية والترشيدية ليست منفصلة عن تدمير المجتمع التقليدي السابق على الدولة الجماهيرية، كما انها لا يمكن ان تنبثق عن نظام ليس جماهيريا، ومثلها في ذلك مسألة المجانية والمقابل لا يمكنهما ان يلتقيا معا في ظل الاشتراكية، ولعل بعض الذين لم يستوعبوا قوانين المجتمع الجماهيري سيفاجئون اذا الغي المجتمع الجماهيري مجانية التعليم مثلا، وسيعتبرون ذلك- في وسط استغفال شديد- نكسة حقيقية وردة كبيرة في اطار التعليم ورعاية الدولة له، ربما لانهم سيرون في ذلك توجها رأسماليا مناقضا للاشتراكية بمفهومها التقليدي الاصلاحي فيتخذ مثل هؤلاء مواقف عاطفية خاطئة مناقضة للعلم الاشتراكي وفقا للمجتمع الجماهيري ومناقضة لنظام الشركاء الاحرار المسؤولين بانفسهم عن اشباع حاجتهم.
ان استيعاب القوانين التي قام عليها المجتمع الجماهيري سيجعل أي ثوري يتساءل بالحاح من اين جاءت المجانية؟ فحين يكون المجتمع اشتراكيا جماهيريا فلا وجود للمجانية، لان المجانية من طبيعة النظام الرأسمالي، وهي برنامج مخدر من برامج الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.
ان الدليل على التلفيق الواضح فيها انها تقدم بالمجان اشياء تافهة واخرى هامة نسبيا، غير انها لا تقدم مجانا ما هو اهم من كل الاشياء اذ ان الضروريات الاساس للانسان ليست مجانية.
فالطعام والسكن واللباس والمركوب، تلك التى لا يستطيع الانسان ان يعيش بدونها، يطلب من محتاجيها تسديد أثمانها مضاعفة في بعض الأحيان خاصة حين يتحكم فيها الاستغلاليون من السماسرة والتجار والمقاولين.
وحين تكون المجانية مفيدة ونافعة، يجب أن تكون شاملة أو تحوى على الاقل الضروريات الملحة للانسان وعندها يجب التنازل عن المقابل، ليتمكن المجتمع من تعميم المجانية.
وبهذا نصل إلى الأطروحة التي أكدناها مرارا وهي ضرورة التخلص من الأجرة، ولابد إذن- ترتيبا على ذلك- من التخلص من المرتب لكي نصبح أحرارا، فحين ننتج مجانا، لا نكون بحاجة إلى رواتب ما دامت حاجاتنا متوفرة مجانا.
أما إذا كنا نتقاضى رواتبنا، فليس امامنا إلا أن نسدد ثمن الدواء والتعليم وتذكرة الحافلة وقائمة الهاتف ومستحقات الكهرباء والمياه وكل مستلزماتنا.
إذ أن المال لا يأتي من مصدر سحري، وليست ميزانية المجتمع إلا إنتاج افراده فقط، إن النجاح في هذا الأمر يعنى أن انسانا جديدا قد بنى نفسه وفق أسس المجتمع الجماهيري الجديد.
 عالم جديد :
ان عصر الرقيق لا يمكن أن يكون قد انتهى ما دمنا نرى حتى يومنا هذا عشرات الملايين من الأجراء الذين يسحقهم ارباب العمل، النائبين عن الاقطاع، إن العبيد الذين يعانون ظلم أسيادهم ، ويخضعون في ضروريات حياتهم لغيرهم، ليسوا إلا طبقة واحدة مستمرة البقاء لم يتغير فيها إلا اسمها ليصبح في عصرنا (العمال الأجراء)، حتى إذا قضي ذات يوم على الأجرة وتحرر العمال من جورها. أمكن يومئذ القول بأن هذه الطبقة قد انتهت.
بعد كل ما قدمناه، يحق لنا أن نتساءل بجدية إلى أين تقودنا الأطروحات العلمية في الكتاب الأخضر؟
اذا بني هيكل المجتمع الانساني وفق النظرية الجماهيرية وتكيفت النشاطات الاقتصادية بمقتضى ذلك، بحيث أصبحت كل النشاطات الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات، وقام افراد المجتمع الجماهيري بنشاطات اقتصادية أشبعت حاجاتهم.. فأى لون تكون علاقات الأفراد ببعضهم في ظل هذا المجتمع؟
كيف تشكل المثل والقيم الاجتماعية وكيف تتم مراعاتها؟! كيف يكون .نظام الأسرة ونظام التعليم وقضية الدين؟
إن ذلك كله سيكون جديدا بلا شك وتكون صعوبته في انه جديد، ويختلف جذريا وكليا عما يسود الان حياة البشر المعاصرين.
ان المجتمع الجديد.. سيكون صورة جديدة لا عهد للانسان بها، ولقد حدثنا التاريخ عن الماضى وعن المجتمع البدائي بالتحديد، حيث كانت الأسرة تحرث الأرض وتزرعها، وتربي فيها الحيوانات لتستخدم أصوافها وشعرها وجلودها، وتحقق من خلال ذلك اكتفاءها الذاتي. إن كل أسرة آنئذ كانت تنتج طعامها وملابسها وبيوتها ذاتيا، بل تجد في يدها ما تتفضل به من الفائض على الضعفاء وعابري السبيل وغير ذلك مما تجب مراعاته وفق مفاهيم ذلك المجتمع البدائي.
وإذا تجاوز البشر ذلك المجتمع البدائي، وتكون مجتمعنا المعاصر على أنقاضه، فان حياتنا ستكون لها صورة مختلفة فيما لو نجح مجتمع عصري في القيام بنشاطات اقتصادية يتماثل غرضها مع المجتمع البدائي فى أغراضه الاقتصادية. فكيف يكون شكل مجتمع عصري تكتفي فيه الأسرة ذاتيا؟
هل يحتاج بلدية ودولة؟ وأن تكون لهذه الدولة حدود مفتوحة أو مغلقة؟
وكيف يكون شكل هذا المجتمع إذا كانت بقية العالم مازالت في وضعها التقليدى من حكومات وجيوش وصراع على مصادر الطاقة؟ بل لنقل أي مصير للعالم، إذا لم يتجه نحو تحقيق النظام الجماهيرى، أي مصير ينتظر الانسان؟!
إن مفكري الإنسانية ملزمون بإيجاد اجابات لكل معضلة من هذه المعضلات ، وتحويل إسهاماتهم إلى منهج علمي يتلقاه مثقفونا بدل تلك الترهات التى أودت بحياة الانسان إلى الجحيم.. ان هذا هو الأمل الوحيد.
 

 من شروح الكتاب الأخضر