|
الصفحة رقم ( 1
)
دراسة تحليلية تتناول الإبعاد والأسباب
التي إرتائينا بأنها جوهرية في الفساد المالي في
الدول العربية النفطية والتي تعتمد على العائدات
النفطية كمصدر أساسي للدخل القومي ، وكذلك بعض
وسائل التصدي لهذه الظاهرة ، وذلك في إطار تحديد
إمكانيات إيجاد آليات لتفعيل الاقتصاد المالي
للدول المذكورة التي تعاني من ضعف وسائل تطوير
اقتصادياتها وتحويل فوائضها النقدية إلى رأسمال
عامل ، بسبب تنامي حدة هدر وفساد ثرواتها النفطية
كعامل أساسي في ذلك.
مدخل :
تهدف هذه الدراسة البحثية الاقتصادية إلى
التعريف بالثروة النفطية في المقام الأول
وكذلك
إلى تحديد وتحليل المشكلات والأسباب الجوهرية
والأساسية التي تقف وراء ظاهرة الفساد المالي في
الدول النفطية وعلى الأخص الدول العربية منها وذلك
من خلال نظرة الدول العربية إلي الثروات النفطية
ومن ثم فقد تم تناول بالدراسة العناصر العلمية تلك
التي يمكن أن تتأسس عليها علاجات مناسبة لهذه
المشكلات التي باتت تشكل أكثر المشكلات خطورة على
اقتصاديات هذه الدول وبرامج التنمية الاقتصادية
والاجتماعية فيها والتي تكاد تمتلك موردا وحيدا
ورئيسيا لدخلها
القومي وبالتالي موردا وحيدا لتمويل
نفقاتها المختلفة والتي تزداد مع زيادة المتطلبات
والالتزامات المالية ( كماً وكيفاً ) في مقابل
المصدر الوحيد للدخل هو النفط الذي يتميز بالتذبذب
والنضوب وضعف الاستقرار أو التنبؤ بالأسعار
العالمية لخاماته.
بداية إذا ما حاولنا تحديد وتعريف العائدات
النفطية لهذه الدول يمكن تعريفها على أنها ثروة
عامة عائدة بسبب موارد سيادية عامة وجدت في
الطبيعة دون تدخل فيها يملكها
جميع أفراد المجتمع بما ذلك الأجيال التي ستظهر في
المستقبل ، وهذه الثروة هى نتاج بيع مورد طبيعي
محدد كميا وغير دائم ، أي مورد ناضب سينتهي في زمن
محدد بعد نفاذ مخزونه المحدد بطبيعته ، وليس النفط
هو أهم الثروات الطبيعية التي ينطبق عليها هذا
التعريف وبوجوده الناضب وإن كان اليوم أكثر موارد
هذه الدول فعالية ، فلقد كان ولا يزال الفحم
الحجري الذي هو أهم هذه الثروات الطبيعية في بلدان
كالمملكة المتحدة والدول المجاورة لها ، وهناك
اليوم الغاز الطبيعي الذي ظهر كمنافس قوي للنفط ،
وكذلك اليورانيوم وغير ذلك من موارد طبيعية كطاقة
الشمس والمعادن الأخرى التي يتوقع أن يكون لها
قدراً كبيراً من الاهتمام في مجال توفير الطاقة
البديلة خاصة في ظل تنامي المشاكل البيئية
المترتبة على عوادم النفط ومشتقاته الصناعية.
*
عضو هيئة تدريس ، كلية الاقتصاد جامعة
الفاتح .
الصفحة رقم ( 2
)
بهذا المعنى يعتبر النفط أهم الموارد
الطبيعية المخزونة في باطن الأرض القابلة للنضوب
كليا حسب طبيعتها الفيزيائية لبعض الدول العربية
مثل دول مجلس التعاون الخليجي والعراق والجزائر
وليبيا وكذلك السودان ومصر وسورية وموريتانيا
واليمن والتي أقضت الاكتشافات النفطية فيها عن
وجود مخزونات نفطية بها ، حيث باتت تشكل أهم
مصادرها المالية تتماثل في ذلك مع الفحم الحجري
والغاز الطبيعي واليورانيوم في دول أخرى كالمملكة
المتحدة وروسيا والنيجر إلى غير ذلك من ثروات
طبيعية تميزت بها العديد من دول العالم . من هذا
البعد فعائدات النفط أذن كثروة ترتكز على مفهوم
تراكمي
(1) تقوم على
أساس الأصل منها بالإضافة تراكماتها ، وبالتالي
فثروة النفط وغيرها من ثروات طبيعية تحسب من خلال
الملكيات التي تخلفها أو التي تأتي بها عند نقطة
معينة في البعد الزمني التراكمي لها ، أي مقدار ما
تخلفه هذه الثروة الأصل مضافاً إليها التراكمات
التي تخلفها المعدلات الطبيعية للتراكم الرأسمالي
(القيم المضافة) بأفتراض استغلالها وتشغيلها ،
فليس أصل الثروة النفطية هو كل الثروة ، بل الثروة
الأصل مضافاً إليها المقدار التراكمي السنوي لها ،
وعندما يضاف التراكم في السنة الأولى يعتبر مع
الثروة الأصل أصلا جديداً وأساسياً تصبح الأساس
الجديد لتقدير القيمة المضافة في السنة التالية
وهكذا ، ومن خلال هذا المعنى الاقتصادي للثروة
النفطية تعتبر عائدات النفط ثروة وطنية مادية
بصيغة أخرى وإن كانت ناضبة فهى تراكمية بطبيعة
ملكيتها ، أي بأعتبارها ثروة عامة هى من حق
الأجيال القادمة أيضاً التي لا يمكن تقدير عدد
أجيالها ، وبالتالي تعتبر ثروة النفط ذات طبيعة
تشغيلية إقتصادية أكثر من كونها ذات طبيعة
استهلاكية فقط ، فليس إذن من حق الجيل الحالي
استهلاكها واقتصارها عليه أو على الأجيال المنظورة
فقط.
من هذا المنطلق فالثروة النفطية تعد ضمن
الاقتصاد المالي بالنسبة للدول التي تعتمد عليها
بنسبة تتجاوز (60%) في تمويل برامجها وأن أصل هذه
الثروة وهو النفط أيل للزوال ولا يمكن تعويضه
بالرغم من زيادة الاستكشافات التي تدل على وجود
احتياطيات نفطية في غالبية الاستكشافات في الدول
العربية التي ظهر فيها النفط وقد أثار إحتكام
الاحتياطات النفطية إلى قانون النضوب والتناقص
المستمر إهتمام الاقتصاديات في الدول المتقدمة ،
فيما لم يلاقي اهتماما كافيا في الدول النفطية
العربية التي تعتمد عليه كمصدر أساسي ووحيد في
حصولها على الدخل القومي بالرغم من حاجة هذه الدول
الى مثل هذا التفكير قبل فوات الأوان ، وهذه
إشكالية تدل في بعدها ودلالاتها على ضعف التفكير
الاقتصادي في التعامل مع عائدات لمورد طبيعي
يتلاشى تدريجيا ، فما دام العائدات النفطية هي
متولدة من ثروة غير متجددة فمن المفترض الاقتصادي
أن تنفق غالبيتها من أجل الحصول على تراكمات
رأسمالية صناعية أو زراعية أو غير ذلك لتنمية
مصادر غير ناضبة تعمل هذه التراكمات فيما بعد على
تحييد تدريجي لسيطرة العائدات النفطية على
الاقتصاد الوطني ، وإلا تحولت عمليات إنفاق
العائدات النفطية هنا إلى ما يشبه قيام مشروع ببيع
بعض من رأسماله وموجوداته تدريجياً للوفاء
بالالتزامات المالية حتى يجد المشروع قد باع جميع
موجوداته في مراحل لاحقة فينتهي كلياً.
الفساد
المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولعل التفكير الاقتصادي الرشيد المبدئي والأولي
والذي وجب أن يكون في هذه الدول بالذات وجب أن
يركز على حماية الثروات النفطية لهذه الدول كهدف
أساسي فهذه الدول تعاني من الهدر المتزايد في
عائداتها النفطية إضافة إلى الهدر في استنزاف
احتياطاتها النفطية بالمعنى الذي أدى إلى ضعف
استخدام الطفرة المالية والفوائض النفطية في تحقيق
معدلات حقيقية للنمو الاجتماعي والاقتصادي وتقلص
المخزونات الاحتياطية في نفس الوقت ، وبالتالي ظلت
مشاكل كالفقر والبطالة وضعف معدلات النمو الحقيقية
القاسم المشترك لغالبية الدول العربية النفطية على
العكس من دول أخرى كالمكسيك وفنيزويلا التي
استطاعت رسم سياسات إقتصادية فاعلة لاستقطاب
الفوائض النقدية النفطية في مجالات الاستثمار ،
وبالتالي فلا ينبغي أن تنظر حكومات وقيادات هذه
الدول إلى الثروات النفطية وغيرها من ثروات
(1)طبيعية
وكأنها مخصصة للاستهلاك الآني أو كأنها ملك لها
تتوارثها كما يتوارث الملوك والسلاطين والطغاة
السلطة لأبنائهم وبناتهم لتحرم منها الأجيال
المستقبلية والتي تشترك في ملكيتها لهذه الثروات
التي تعتبر (عطية) من الله تعالى لصاحب الأرض
وليست حتى نتيجة عمل أو بذل جهد من طرف هذه
الحكومات أو تلك.
من
مثل هذه الأوضاع وهذا المنطلق فقد ركزت الدراسة في
جانب منها على إبراز وتحليل بعض العوامل التي
ساهمت في الفساد المالي في غالبية الدول العربية
النفطية وذلك في إطار محاولة إيجاد سبل للتخلص من
الأسباب الرئيسية للفساد المالي في هذه الدول وليس
بدافع النقد كما قد يتصور البعض لان مطلب معالجة
هذه القضية بات أساسياً وضرورياً في نفس الوقت.
فالحرص على أهمية نجاح برامج التنمية الاقتصادية
والاجتماعية بالتخلص من الفقر والبطالة والتخلف
سيظل الدافع الحقيقي من وراء البحث في عوامل
وأسباب الفساد المالي والتصدي له في هذه الدول.
الأسباب الجوهرية للفساد المالي في الدول العربية
النفطية
لقد أثبت الجدل الذي ظهر مع بداية عقد
السبعينيات من القرن الماضي (ما إذا كان النفط
نعمة أم نقمة) في جانب أخر منه أن إعادة النظر في
السياسات النقدية والسياسات المالية بالنسبة للدول
النفطية أمراً في غاية الضرورة إذا ما أرادت هذه
الدول الاستفادة من العائدات النفطية في إيجاد
درجة من التوازن الاقتصادي في الطلب الاستهلاكي
والإنتاج المحلي وإعادة هيكلة نشاطاتها الاقتصادية
، وقد بدأت العديد من دول العالم النفطية غير
العربية في وقت مبكر في إعادة النظر في ترشيد
مجالات إنفاق الثروات النفطية لكن غالبية الدول
العربية النفطية لم تتجاوب مع نتائج هذا الجدل
بشكل فعال وسريع ، وقد كان لهذا التأخير في
التجاوب مع معرفة أهمية وحساسية العائدات النفطية
أحد أهم الأسباب في تنامي حدة الفساد المالي ،
وبالتالي فقد شكلت ظاهرة الفساد المالي بعد ذلك
أثارا سلبية
(1) خطيرة على
أداء وكفاءة الإمكانيات الاقتصادية المادية وغير
المادية للدول العربية النفطية في مجمل عناصر
الظاهرة فالبرغم حتى من أهمية وجدية العديد من
المحاولات السابقة للنظر في العوامل اللازمة
لإمكانية تفعيل كفاءة استخدام التراكمات
الرأسمالية لعائدات النفط إلا أن الدول العربية
المنتجة للنفط أستمرت تعاني من إشكاليات أكثر عمقا
على صعيد التعامل مع النفط وعائداته ، لعل أولى
هذه الإشكاليات تكمن في النظرة السطحية النمطية
للعائدات النفطية من طرف حكومات هذه الدول
وبالتالي تكمن الإشكالية الأولية في كون الفساد
المالي في هذه الدول ما هو إلا انعكاس طبيعي لضعف
التشريعات والقوانين التي تحدد وتعرف العائدات
النفطية ، وأساليب وطرق التعامل مع هذه العائدات ،
فقوانين وتشريعات اغلب هذه الدول لا تقر ولا تعترف
بأن الثروات النفطية وما يترتب عليها من مراكمات
مالية ورأس مالية نتيجة تشغيلها ما هى إلا ملك لكل
أفراد المجتمع بما في ذلك الأجيال اللاحقة التي
ستظهر للوجود والجيل الحالي وكذلك الأجيال التي
ظهرت واختفت وبهذا المعنى فأهمية النفط وعائداته
باتت تتعدى حتى المسائل الاقتصادية ليصل أثره إلى
العلاقات الوطنية والسياسية والاجتماعية والعلاقات
الإقليمية والدولية ،
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالنفط بات مصدر مالي أساسي للنمو يضفي طابع
الاحترام على المجتمع ويمد الدولة بأسباب القوة
التفاوضية أثناء التنازعات الدولية والتنافس على
المصالح الاقتصادية والسياسية العليا ، ليس فقط في
الدول النفطية وإنما في الدول العربية الأخرى خاصة
بعد تضاؤل الفرص في العثور على بديل حقيقي له في
الوقت المنظور
(2) ، وهذا
الأمر لم يدخل حتى ألان حسابات الدول العربية
النفطية يشكل فاعل ولم يؤثر في رسم سياسات
إقتصادية إستراتيجية تأخذ في اعتبارها النفط كمصدر
أساسي للطاقة في العالم ، خاصة وأن هذه الدول
لازالت تعاني من مشاكل أدنى من ذلك على مستوى ضعف
التشريعات المحلية المتعلقة بالنفط ، فضعف هذه
القوانين والتشريعات التي تحدد بشكل قانوني ملكية
هذه الثروات وغيرها من ثروات طبيعية أخرى وأساليب
وطرق ومجالات أنفاقها كإشكاليات أساسية في هذه
الدراسة أدت في مجملها إلى تأسيس قواعد غير علمية
ولا أخلاقية فيما بعد للتعامل مع الثروات
والعائدات النفطية ، وكشرطية أساسية فأي ثروة
وتراكماتها لا يمكن تنميتها اقتصاديا ووفق معايير
علمية واقتصادية رشيدة إلا عن طريق مالكها الأصلي
بعد منحه الصبغة القانونية في التصرف في أملاكه
والسيطرة عليها وبالتالي فإن ضعف تعريف الثروات
النفطية وتحديد مالكها الحقيقي وعدم النظر إلى
المواطن في هذه الدول على أنه شريك كامل في
الثروات الطبيعية في بلده رتب بالضرورة المدخل
الأساسي نحو التعدي على الثروات الطبيعية
والعائدات النفطية في الدول العربية على وجه
الخصوص ، خاصة عقب مرحلة النمو المتزايد لهذه
العائدات ودورها وأهميتها في النشاط الاقتصادي ،
وكذلك دورها المتزايد في الاستقرار الاجتماعي
ودخول الإفراد الذين لم يجدوا بطبيعة وجودهم في
هذه المجتمعات النفطية المتخلفة إقتصاديا (غير
المنتجة) الاستهلاكية إلا العائدات النفطية كمورد
مالي ينظرون إليه على أنه الأمل الوحيد في التغلب
على مشكلاتهم الاقتصادية فيحاولون أن ينتعشون منه
في صور مختلفة وإن اختلفت في الأساليب إلا أنها
تتفق في النهاية وتتحدد في أسلوب واحد هو أسلوب
استهلاكها في عمليات الاستيراد لسلع استهلاكية
وبالتالي هدرها في ظل الضعف الكبير في تنمية
مجالات استثمارها وبالتالي فإن ذلك يمثل في جانب
أخر هدر لأموال الأجيال في مختلف مراحلها الحالية
واللاحقة ، ولذلك فإن عمق هذه الإشكالية الأولية
وجذورها رتب الإباحة الأولية للتعدي على الثروات
النفطية في هذه الدول كأموال (سائبة)*
، وحتى التطورات التي شهدتها هذه التشريعات
والقوانين وتوسيع إمكانيات إستثمارها لصالح
الأجيال المستقبلية لم تقضي إلى نتيجة تكافي الحجم
والقيمة الحقيقية لهذه الثروات ، بل على العكس من
ذلك فقد أستغلت إمكانيات الاستثمار لهذه الأموال
وأعتبرت مدخل إلى التعدي عليها في ظل تطورات هذه
القوانين والتشريعات المالية الضعيفة في الأصل
والتي ظهرت وتطورت مرادفة للظهور المفاجئ للثروات
النفطية ، فلم تعكس هذه القوانين والتشريعات
وتطوراتها إي تطور حقيقي لغالبية هذه الدول التي
ظهر فيها النفط على مستوى تنمية وتطوير الموارد
والإمكانيات المالية النقدية ، وبالتالي لم تعكس
هذه القوانين والتشريعات والفرص المالية أي تطور
كيفي لليد العاملة أو خلق بيئة اقتصادية محلية
تساهم في توظيف امثل للموارد المالية لهذه الدول ،
وحتى المعدلات التي تحققت على صعيد الإنتاج
الصناعي وتوظيف اليد العاملة وتطورها الكيفي على
سبيل المثال لم تكن معدلات حقيقية في العديد منها
بل كانت معدلات ومؤشرات ظاهرية لا يسندها الواقع ،
القصد منها في غالبية هذه الدول الدعاية الرخيصة
أو خدمة هذا النظام السياسي أو ذاك ، أو قطاع معين
يستفيد من ورائها أفراد بعينهم قائمين عليه وبذلك
فضعف هذه القوانين والتشريعات المرتبطة بالتصرف في
العائدات النفطية أو الدخل القومي لهذه الدول خلفت
ورائها أيضا كماً هائلاً وارثاً كبيراً من
المغالطات سواء على صعيد هذه القوانين أو النتائج
والانجازات التي لا توجد لها أثارا تذكر على
الواقع إلا في مخيلة كتاب التقارير من الذين تربوا
علي تزوير وتزييف الحقائق ، وبالتالي لم تشهد حتى
النظم المالية والمحاسبية في غالبية هذه الدول أية
تطورات حقيقية ، فبقت أنظمتها المالية والمحاسبية
متخلفة بدرجة كبيرة على صعيد الأعراف والتقاليد
المحاسبية والرقابية التي
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تضمن سلامة ومرونة المحاسبة والتقييم والتقويم
الماليين ، وبالتالي أصبحت مقتضيات هذه المنظومات
المحاسبية والمالية المبتكرة ! تخضع إلى النظام
السياسي القائم أو أفراده ومقتضيات مصالحهم أكثر
من إخضاعها إلى التقليد المحاسبي والاقتصادي
السليم.
أما الإشكالية الثانية والأكثر تأثير في
تقديرنا والتي شكلت جوهر ومحور أساسي للأسباب
المؤدية إلى حدوث الفساد المالي في كل الدول
العربية النفطية بدون أستثناء بالرغم من التباين
في مظاهر وأثار هذا الفساد تكمن في أن ثروة هذه
المجتمعات في الدول المذكورة قد تعرضت بشكل كبير
ومتتالي إلى التعدي عليها وسرقتها ونهبها من طرف
النخبة العليا في هذه الدول والموظفين القياديين
من الذين يناط بهم في العادة إدارة المؤسسات
المالية والاستثمارية والقطاعات الخدمية كقطاع
التجارة والاستيراد والنقل والاتصالات وقطاعات
البنية التحتية والمرافق
(1) ومجالات
أخرى كتلك المرتبطة بالتعاقدات والتوريدات
الحكومية إضافة إلى القطاع العسكري الذي شكل مع
بداية الثمانينيات العبء الأكبر على العائدات
النفطية بسبب امتصاصه للنسبة الأكبر منها ، مثل
هذه المجالات كانت ولازالت
أكثر
المجالات والقطاعات التي تعتبر مصدر للفساد حيث
يحصل عن طريقها المسؤولين بها على العمولات والرشى
من الشركات والدول المصدرة لمثل هذه السلع
والخدمات المتصلة بها والتي تحسب بطبيعة الحال
وتحمل (الرشى والعمولات) على قيمة هذه التعاقدات
المختلفة ، وفي هذا الجانب بالذات فقد كشفت بعض
المصارف والمؤسسات الاستثمارية والمالية العالمية
الأوربية منها وبعض من المصارف والمؤسسات العربية
تضخم كبير في حسابات بعض من المسؤولين القياديين
في الدول العربية النفطية وغيرها في إطار نظام
محاربة الإرهاب الذي ساهمت في فرضه الولايات
المتحدة الأمريكية على العديد من المصارف
والمؤسسات العالمية والعربية والتمويلات المالية
وأغراضها بحيث يكون للجانب
(2) الأمريكي
علم بكل حوالة مالية تتجاوز (10)
آلاف دولار وكذلك في إطار المناداة بالشفافية الذي
نادت به العديد من المنظمات الدولية بغرض مكافحة
الفساد وكانت نتائج هذه المراقبة بمثابة الصدمة
للمجتمعات العربية في الدول النفطية على الخصوص ،
حيث أكدت موارد حسابات بعض المسؤولين على أن
ثرواتها النفطية تسرق من طرف المسؤولين والنخبة
الحاكمة ومن الموالين لها وعلى حساب حاجاتها
وغذائها اليومي فقد أكدت هذه التقارير أن هناك
كميات نفطية كبيرة وبأسعار أقل بكثير من الأسعار
العالمية للنفط دفعت من طرف هذه الدول مقابل صفقات
كبيرة غير معلنة لم تستفد منها شعوب هذه الدول(3)
تصل قيمتها الى أكثر من (60) مليار دولار في
الفترة من 1970 حتى العام 2006 ، وأن غالبية
الصفقات التجارية المعلنة وما في حكمها التي تمت
بين غالبية الدول العربية النفطية والدول الصناعية
قد صاحبها فساداً مالياً لم يكن متوقع خلال الفترة
المذكورة ، ليس هذا وكفى بل أن سرقة ثروات
المجتمعات النفطية على المستوى المحلي تهدر وتسرق
وبمعدلات تكاد تفوق معدلاتها عن طريق نظام
التوريدات والتعاقدات من الخارج وفي ظل تقلص كبير
في سبل محاربة هذا الفساد فهناك بعض من هذه الدول
قد شرعت حصول كل أفراد العائلة الحاكمة (المالكة)
على دخول سنوية تقدر بمئات الملايين من الدولارات
سنوياً ، ولعل التقارير الرقابية في غالبية الدول
العربية السنوية منها والدورية والتي تعبر أحيانا
عن استياءها البالغ من ظاهرة الفساد المالي غير
المقنن من طرف المسؤولين في هذه الدول ما هي إلا
أحد أهم الأدلة على ذلك والصادرة في واقع الحال عن
الدول ذاتها وأجهزتها التي تهدف في جزء منها إلى
محاولة تنفيس الضغط الشعبي والجماهيري ضد هذه
الظاهرة ومرتكبيها أو محاولة استمالة الشارع
لمواجهة مواقف سياسية معينة ، لكنها وفي كل
الأحوال تعتبر أحد أهم الأدلة على تنامي حجم
الفساد المالي وانتشاره على نطاق واسع في مقابل
ضعف أدوات المحاسبة في هذه الدول
(1) ، ففي
الإطار نفسه فقد أشار تقرير الرقابة الشعبية
(2) في ليبيا
وتقرير الرقابة المالية في كل من الكويت والإمارات
والجزائر والسعودية في
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأعوام (2004 ، 2003 ، 2005 ، 2002) على التوالي
على سبيل المثال لا الحصر على أن الإشكالية
الأساسية على المستوى المالي في هذه الدول يكمن في
الأتي :
-
تظخم قيمة التعاقدات والتوريدات بدرجة كبيرة.
-
ضعف العائد من هذه القيمة المتضخمة في الأصل.
-
التضخم الرهيب في المصروفات والنفقات على
المسؤولين(*)
القياديين من الذين يناط بهم إبرام التعاقدات
وإقامة المشروعات ذات الصلة بالقطاعات العامة.
-
تضخيم مستمر في حسابات العديد منهم خاصة حساباتهم
بالخارج.
شكل رقم (1)
العلاقة بين الفساد المالي ومحاربته في الدول
العربية النفطية
خلال الفترة (1998 - 2006)
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
أما الإشكالية الثالثة التي تواجهها الدول
العربية النفطية في هذا السياق تكمن في زيادة
الضغوطات الخارجية من طرف الدول الصناعية خاصة
الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية على
هذه الدول بغرض إستنزاف أكبر قدر من المخزون
النفطي وتحقيق
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهداف إستراتيجية وذلك من خلال زيادة كمية
الصادرات النفطية ، فمنذ بداية عقد الثمانينات من
القرن الماضي اتخذت هذه الدول سياسات موحدة
وإستراتيجية اتجاه زيادة الضغوطات السياسية
والاقتصادية الأجنبية ضد غالبية هذه الدول بقصد
زيادة عرض الإنتاج والصادرات النفطية خاصة عقب
الارتفاع الملحوظ في مستويات أسعار النفط مع بداية
عقد السبعينيات من القرن الماضي ، وكانت سياسات
الضغط التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية
وعلى الأخص اتجاه الدول الخليجية العربية المنتجة
للنفط على سبيل المثال تهدف إلى تحقيق مجموعة من
الأهداف الإستراتيجية ، لعل أهمها إلى جانب محاولة
إستنزاف أكبر قدر من الاحتياطيات النفطية زيادة
عرض خامات النفط للتأثير على الأسعار العالمية
للنفط وفي نفس إضعاف إمكانيات هذه الدول نحو
إمكانية استثمار أكبر قدر من العائدات فوائض
النفطية عن طريق ربطها باتفاقيات تجارية كاتفاقية
التبادل الحر بين أوربا ودول مجلس التعاون الخليجي
التي أصبحت قيد التنفيذ وبالتالي بقائها تابعة
للسياسات الاقتصادية الغربية في مستويات عديدة
خاصة على مستوى الاستهلاك كسياسات مزدوجة ، إضافة
إلى مواجهة الحالات المفاجئة للارتفاع في أسعار
النفط خاصة في الفترات التي قد تشهد مواجهة عسكرية
في المنطقة كما حصل أثناء إحتلال العراق وقبلها
أثناء الحرب الإيرانية العراقية أو أثناء دخول
القوات العراقية الكويت وأحتلالها إلى غير ذلك من
إحتمالات حصول مواجهة بين أمريكا وإيران سواء إن
كانت سياسية أو عسكرية ، وقد نجحت هذه الضغوطات في
جوانب عديدة منها خاصة عقب أحداث 11 / سبتمبر في
العام 2001 واستخدام أمريكا ذريعة محاربة الإرهاب
وحجة الهاجس الأمني وحماية هذه الدول من خطر
الإرهاب ، كما كانت مبرراتها فعملت على فرض تعاقد
الشركات الأمريكية ثم الغربية لإنتاج وتصدير النفط
في حوالي ثلاث دول نفطية عربية على الأقل لإحتكار
ما نسبته حوالي 58% من المنتجات والصادرات النفطية
للدول المذكورة
(1) وتخضع
النسبة الأخرى لمنافسات شكلية مع شركات أخرى
أسيوية ومن أوربا الشرقية واستراليا وهى في كل
الأحوال من دول لها علاقات تجارية قوية مع
الولايات المتحدة الأمريكية كاليابان وجنوب كوريا
واستراليا التي وقفت إلى جانب أمريكا في احتلالها
للعراق ، بل أن الولايات المتحدة الأمريكية ذهبت
إلى أبعد من ذلك في سبيل نجاح سياساتها هذه فمارست
سياسة الترهيب والترغيب ببقاء أنظمة هذه الدول تحت
المظلة الأمريكية سياسيا واقتصاديا أو تعرضها
للتغيير والزوال ، وفي أفضل الأحوال تعرضها للتدخل
المباشر تحت رايات الديمقراطية والعولمة والانفتاح
! أو استبدال حكومات هذه الدول على الطريقة
الأمريكية المعتادة كالتي تم بها إحتلال العراق
والتي تعبر عن صورة غاية في المحاكاة لنمط متكرر
الذي قامت به الإمبراطوريات القديمة مع بعض
المبررات والتهذيبات العصرية ، حيث تم تدمير
البلاد وصفيت الحكومة العراقية وأحل الاحتلال
محلها مجموعة من الموالين للاحتلال والحاملين
لجنسيته من الذين جاء بهم على أجنحة بواخره
الحربية ودباباته وطائراته ، فتم عن طريقهم سرقة
أغلب إحتياطاته النقدية من الذهب من طرف الاحتلال
وأعوانه خلال السنة الأولى من الاحتلال ، حيث تم
تهريب حوالي(2)
(62) مليار دولار وكميات كبيرة من الذهب وتم
السيطرة الكاملة على كامل النفط العراقي الذي يتم
تصديره بكميات كبيرة من طرف الاحتلال دون أية
رقابة من طرف العراقيين وقد أكدت العديد من
التقارير أخيرا أن حوالي (15) مليون دولار تسرق
يوميا من العراق عن طريق تهريب النفط منذ العام
2003 ، كما أنه قد تم بيع العديد من الآبار
النفطية في الدول الخليجية للجانب الأمريكي بعد
تقدير هذه الاحتياطات بأسعار منخفضة يأخذ المتوسط
العام لأسعار النفط في العام
(3)1973
(41 ) دولا
والعام 1999 حوالي (20 ) دولار ليبلغ سعر البرميل
النفط حوالي (24.5 ) دولار بعد خصم حوالي (6)
دولار كضريبة للتلوث البيئي التي فرضت على الدول
المنتجة
هذه الإشكالية رتبت فسادا ماليا كبيرا
لعائدات غالبية الدول النفطية العربية على وجه
الخصوص وكوجه أخر للفساد المالي عن طريق التخويف
والابتزاز وعلى مستويين أساسيين المستوى الأول (
إستنزاف أكبر قدر من الاحتياطيات النفطية والسيطرة
شبه
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاملة على أكبر قدر من هذه الاحتياطيات ضمن
سياسات استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع دائرة
النفوذ الأمريكي للسيطرة على موارد الطاقة في
المنطقة عن طريق الوجود العسكري الأمريكي عبر
إقامة قواعد عسكرية برية وبحرية في دول الخليج
العربي وفي منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ، وقد
ثبت في هذا المجال زيادة كبيرة في صادرات هذه
الدول من النفط خلال العقد الماضي أكثر من حصصها
المحددة من طرف منظمة (الاوبيك) التي أصبحت عند
هنا منظمة شكلية لا سلطة لها على الصادرات النفطية
في ظل الهيمنة الأمريكية ، أما المستوى الثاني
فيمكن قراءته من خلال العلاقة العكسية
بين تطور
الصادرات النفطية للدول العربية الخليجية وغيرها
والتي تزيد بمعدلات متزايدة والتناقص الحاد في
المؤشرات الاقتصادية الأساسية لهذه الدول مثل
تناقص معدلات نمو الدخول الحقيقية بارتفاع الأسعار
وزيادة نسبة الفقر والبطالة والانكماش في حالات
أخرى ، إضافة إلى التركيز للثروات في يد الطبقة
الحاكمة والقياديين من الموظفين الذين يقومون
بإيداع ما يحصلون عليه من أموال في المصارف
والبنوك الأمريكية والغربية بفوائد ضعيفة بسبب
نظام الحماية الذي تتبعه مصارف هذه الدول وفي
الجانب الأخر بسبب القيود والتخلف وضعف سعة
الاستيعاب لهذه الأموال من طرف المصارف المحلية
للدول النفطية لتتراكم بعد ذلك المضاعفات
الاستثمارية لصالح إقتصاديات الدول الصناعية.
أما الإشكالية الرابعة التي ترتب في
العادة وبشكل غير مباشر فسادا ماليا في هذه الدول
فهى تلك المتعلقة بالضعف الكبير في مكونات وهيكل
الاقتصاد في هذه الدول المصدرة للنفط
(1) فالدول
العربية النفطية في عمومها لم تصل المجالات
الاقتصادية فيها درجة
أستيعاب العائدات النفطية وأستثمارها محليا
أو خارجيا في المجالات الصناعية على سبيل المثال
لا الحصر بسبب ضعف قوتها التنافسية ، بالرغم من
وجود معدلات متزايدة للفوائض النقدية من وراء
صادرات خامات النفط إلا أن السعات الاستثمارية
لهذه الدول والتي رغم الإغراءات الكبيرة لذلك
وارتفاع كفاءة الخدمات المقدمة للاستثمار المحلي
والأجنبي بخفض نسبة الضرائب إلى (70%) في غالبية
هذه الدول إلا أن هذه الفوائض والإمكانيات لم
تستقطب زيادة حقيقية في حجم الاستثمار الصناعي
وبالتالي فقد تميزت على الدوام بالضعف الكبير الذي
لم يكن يوما طرديا مع العائدات النفطية ، بل على
العكس من ذلك تماما ففي غالبية السنوات كان هناك
تناسب طردي بين معدلات زيادة هذه العائدات ومعدلات
زيادة الاستهلاك العام للقطاعات العامة على الأخص
فعلي سبيل المثال لم يتجاوز معدل العائدات بقطاع
الصناعات التحويلية في ليبيا في العام 2005 (2.4%)
بينما تجاوز معدل الزيادة في العائدات النفطية
(9%) وفي السعودية فقد ارتفعت معدلات الزيادة في
العائدات النفطية في السنوات من (2004 - 2006)
بمتوسط عام تجاوز (14%) وفي نقس الفترة فقد تقلصت
معدلات الإنفاق الاستثماري بمتوسط حوالي (0.85%)
وكذلك في الدول مثل البحرين والجزائر لم يكن الحال
بأفضل من الدولتين المذكورتين مع استثناء النموذج
الاستثماري في الإمارات العربية المتحدة الذي كان
نموذج الاستثمار فيها خاصة في مجالات كالخدمات
والرياضة والاتصالات مثار جدل وإعجاب واستقطاب في
نفس الوقت وكذلك النموذج التنموي في قطر الذي كان
مبهراً الى حد كبير في بعض جوانبه ، والملاحظ أيضا
عند فحص مجالات الإنفاق فإن قطاع التجارة
والاستيراد لغالبية هذه الدول قد استحوذ على
النسبة الأكبر
(1) من معدلات
الزيادة في العائدات النفطية ، كما أن النسبة
الأكبر من مخصصات هذا القطاع تستحوذ عليه الصفاقات
التجارية في المجال العسكري حيث تؤكد المصادر
الاقتصادية والمالية لهذه الدول على أن نسبة
إنفاقها على المجال العسكري تتراوح
(2) ما بين (18
– 30 %) من الدخل القومي منذ العام 1973 حتى العام
2005 والجدير بالملاحظة هنا أيضا فإن طابع السرية
المفروض على النفقات العسكرية في هذه الدول عادة
ما يكون ستاراً لعقد صفقات مشبوهة تحمل في طياتها
تناسب طردي غريب ما بين ضعف كفاءة المعدات
العسكرية وقدمها من جانب وتضخيم التكاليف الكلية
لها من جانب أخر ، ولعل صفقات عسكرية
الفساد المالي في الدول العربية النفطية
/
د . محمد
أحمد خلف الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وميكانيكية عديدة بين بعض هذه الدول والدول
الغربية الصناعية وأوربا قد رتبت فساداً مالياً
ملحوظاً عندما صاحبت هذه الصفقات الحصول عمولات
ورشي كبيرة ، ولعل صفقة شركة الصناعات الهندسية
البريطانية مع السعودية لشراء طائرات عسكرية والتي
عرفت بصفقة (اليمامة) وقضية مصرف ( الخليفة ) في
الجزائر ليست أول الصفقات ولن تكون الأخيرة في
مجال الصفقات المشبوهة والفساد المالي وكذلك فإن
الترتيب الثاني لهذه الصفقات تستحوذ عليه السلع
الاستهلاكية كالوقود والمحروقات وغير ذلك من سلع
معمرة في أفضل الأحوال ، وفي الغالب فإن مثل هذه
الصفقات التجارية هي سياسية أكثر من كونها
إقتصادية
ترتب وجود الرشى والعمولات وفساد للذمم
والمال العام ، وترتب التزامات مالية تؤدي في
عمومها إلى ما يشبه رهن العائدات النفطية وإلزامها
بتغطية هذه الالتزامات والوفاء بها وعند هنا يصبح
ليس هناك مجال أمام هذه الدول إلا زيادة كمية
الصادرات من خامات النفط حتى في الفترات التي تشهد
إنخفاض في الأسعار النفطية . حتى في الفترات التي
تشهد ارتفاعاً في الأسعار العالمية التوازنية
للنفط الخام وهى في العموم فترات قليلة وقصيرة جدا
فإن الدول الصناعية تقوم بوضع سياسة موازية
لمحاولة إمتصاص غالبية هذه الفوائض كالسياسات في
مجال ضريبة الإنتاج النفطي وزيادة نسبة المشاركة
في العائدات النفطية للشركات الأجنبية إلى غير ذلك
سياسات الحظر والتجميد ورفع أسعار السلع الصناعية
وغيرها ، وبالتالي فإن الدول العربية المنتجة
للنفط لم تستفد بشكل مناسب من عائداتها النفطية
وعلى أثر ذلك فقد بائت سياسة تصنيع النفط بالفشل
الكبير بالرغم من امتلاك هذه الدول إمكانيات إنتاج
المشتقات النفطية ، فلازالت ليبيا تستورد حوالي
(41%) من البنزين والسعودية والبحرين وقطر تستورد
في المتوسط حوالي (46 %) من وقود السيارات ، وهكذا
بقية الدول العربية النفطية مما أنعكس على ضعف
صادراتها واستثماراتها ، فإذا ما تم استبعاد النفط
الخام كصادرات لهذه فإنها أي منها لم تصل إلى
إمكانية إنتاج سلعة أو أكثر ذات ميزة تنافسية
قابلة للتصدير على المستوى العالمي ولا
استثماراتها استطاعت خلق شروط الإنتاج الاقتصادي
الصناعي وحتى على المستوى العربي لازالت معدلات
التبادل التجاري بين الدول العربية ضعيفة للغاية ،
ولعل المؤشرات المختارة بالجدول رقم (2) عن
الاستثمارات والصادرات في الدول العربية النفطية
خــلال الفتـــرة (1990 - 2006) توضح بعض النسب
المتحققة على مستوى الاستثمار والصادرات والناتج
المحلي الإجمالي لكل دولة من الدول العربية
النفطية .
جدول رقم (2)
مؤشرات مختارة عن الاستثمارات والصادرات في الدول
العربية النفطية
خلال الفترة (1990- 2006)
نسبة
مئوية %.
|
الدولة
|
متوسط نسبة أعتماد صادرات كل دولة على
العائدات النفطية
(الدخل القومي)
|
متوسط الناتج لكل دولة كنسبة لمتوسط
إجمالي الناتج العربي
|
متوسط الاستثمارات العربية البينية
لكل دولة كنسبة لمتوسط أجمالي النفقات
العربية إلى الخارج
|
|
الإمارات
|
92
|
9.8
|
8.3
|
|
البحرين
|
99
|
1.2
|
2.1
|
|
الجزائر
|
89
|
9.9
|
4.1
|
|
السعودية
|
92
|
28.0
|
11.6
|
|
عمان
|
90.2
|
3.0
|
0.9
|
|
قطر
|
98
|
2.1
|
1.6
|
|
الكويت
|
99
|
5.2
|
0.0
|
|
ليبيا
|
91.3
|
2.9
|
1.3
|
|