ميثاق طرابلس للمثقفين العرب
طرابلس: 5- 7الربيع ـ مارس 2005
نحن المثقفين العرب، الموقعين على هذا الميثاق، استشعارا منا
للمسؤولية التاريخية حيال الأمة العربية وقضاياها وأجيالها، وللدور
الذي ينبغي أن نقوم به، عربيا، وعالمياً، بمواجهة التحديات التي
يفرضها علينا العصر، والاستقطاب الدولي الوحيد الطرف، والتقدم العلمي
والتقني، والإستراتيجية الصهيونية ـ الإمبريالية القائمة على القوة
والقهر ومحو الآخر أو فرض التبعية عليه، نعلن وقوفنا بقوة وحزم،
موحدين متماسكين، حول الثوابت المبدئية والتوجهات النضالية التالية:
1 ـ الصراع العربي الصهيوني، صراع وجود مع وجود، ولم يكن يوما ولن
يكون أبداً نزاعاً على حدود، بين العرب والكيان الصهيوني الدخيل
المفروض عليهم؛ ويتحدد موقف المثقفين من السياسات والتيارات الفكرية
والثقافية والاجتماعية في ضوء موقفها من ذلك الصراع ونظرتها إليه،
وينسحب هذا الرأي والموقف على كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني
وكيانه في فلسطين المحتلة، وعلى دعاة التطبيع ورموزه وممارسيه
والمروجين له.
2 ـ الحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين، تلك
التي لا تنفصل عنها حرية التعبير ولا تقوم إلاّ باحترامها، وكذلك
الممارسة الديمقراطية السليمة في حدود وعي نوعي بخصوصية الواقع والبيئة
والمجتمع والمرحلة التاريخية والاجتماعية للأمة العربية، كلها قضايا
رئيسة نُجْمِعُ على التمسك بها والدفاع عنها، والتعامل بمسؤولية
وإدراك شديدين معها، ونعلن احترامنا للتعدد في إطار الوحدة الثقافية
للأمة، واحترامنا لحق الاختلاف كحق لجميع المواطنين على أرضية احترام
الذات دون تضخيم، واحترام الآخر دون تقزيم، والاعتراف المتبادل بينهما،
على أرضية الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء والمواطنة
والمسؤولية وصنع القرار وصوغ صورة المستقبل والتماسه؛ وتقرير المصير
المشترك للوطن والأمة والدفاع عنهما.
3 ـ الثقافة العربية ـ الإسلامية، بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها
وتراثها وموروثها، وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم متنوعة
عبر التاريخ، وما لها من فرادة وأصالة وتميز وما فيها من
أصول، وما تعنيه وتستثيره في النفوس من قيم ومشاعر، هي بمجملها حدود
وطننا الذي نتجذر في أرضه، ونحافظ فيه على هويتنا، وننمي فيه، بوعي
معرفي عصري، خصوصيتنا، ونمارس انطلاقا من ذلك مثاقفة مع الآخرين
باعتزاز وثقة وانفتاح، رافضين كل قطرية وإقليمية وطائفية تقزمنا أو
تقسمنا أو تشوه نظرتنا ومواقفنا؛ وكلّ تقوقع وفهم مشوّهين أو محكومين
بموقف مسبق من تراثنا وانطلاقتنا الحضارية، ولا نضع في هذا المجال
العروبة في مقابل الإسلام أو الإسلام مقابل العروبة، فهما يتكاملان ولا
ينفصلان، وننظر إلى كل تنازع في هذا الاتجاه على أنه تنازع ضار ومفتعل
ومدمر ويخدم مخططات تعادي أمتنا وثقافتنا، ويرمي إلى فرض التبعية
والضعف علينا.
ولا يعني التركيز على الثقافة العربية ـ الإسلامية، عدم الاعتراف
بقيمة الجذور الثقافية العربية قبل الإسلام وأهمية تلك الجذور، التي
تمتد عميقا وتؤسس للمعرفة البشرية، ولا التغاضي عن إمكانية حضورها
والتواصل معها على نحو ما، كما لا يعني التقليل من أهمية الإضافات
التي قدمها ويقدمها العرب من معتنقي الرسالات الإلهية، فكل ذلك إرث
ثقافي عربي نعتز به ونتواصل
معه وننميه، ونستشعر حضوره عندما نذكر الثقافة العربية الإسلامية.
4 ـ نحن مع المثاقَفَة التي تقوم على أساس من الثقة والاقتدار، بأوسع
صيغها وأعمق تلك الصيغ وأشملها، ولا نرى في القوقعة أي خير كما لا نرى
خيراً في تبعية من أي نوع، لا سيما التبعية الثقافية، ولذا فإننا نرفض
سياسات الانغلاق كما نرفض أشكال الإلحاق والغزو والمحو الثقافي، ونتصدى
لها، وندعو إلى وضع الخطط والإمكانات اللازمة لذلك، بدءاً من تحصين
الوعي المعرفي الذاتي وتعزيز الأمن الثقافي القومي على جميع
المستويات.
كما نرفض / عربياً / تبعية الثقافة للسياسة، وكل صيغ الإلحاق وصوره في
هذا المجال، ونعترف في الوقت ذاته بأهمية تواصل الثقافة والسياسة
وبضرورة ذلك التفاعل والتواصل، وبمسؤولية كل من الثقافة والسياسة عن
الوعي والمصير الفردي والجمعي، الوطني والقومي، وبمسؤوليتهما أيضاً عن
مستوى الحضور الحيوي للأمة وتقدمها الحضاري، ومقدار استشعار أفرادها
للسعادة والكرامة.
ونؤكد أهمية احترام العلاقة السليمة بين السياسي والثقافي، ومدى تحول
الثقافي ـ لا سيما عربياً والآن ـ إلى تابع للخلافية السياسية
العربية القطرية، حيث تتفاقم مخاطر الصيغة التجزيئية التعويقية الراهنة
عربياً على الحاضر والمستقبل والمصير العربي كله، جراء ظهور القطرية
وحضورها كصيغة اعتراضية على القومية، معوقة لها بل نافية لتاثيرها
ولضرورتها.
5 ـ نؤمن بأن الخلاص، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يكون
قومياً أو لا يكون. وأن جهودنا سوف تنصب على إعلاء شأن أي فعل أو قرار
عربي يأخذ ذلك بعين الاعتبار ويعمل من أجله. وأن حكمنا على أي توجه في
هذا المجال يتم على ضوء انسجام ذلك التوجه مع المصلحة العربية العليا
التي تعلو، معيارياً وعملياً وأخلاقياً، على المصلحة القطرية الضيقة،
دون أن تنفيها كلياً. وندعو إلى الوحدة العربية الشاملة والنضال من
أجل تحقيقها.
6 ـ نؤمن بأن تقدم المجتمع العربي منوط بتقدم البنى الفردية
والاجتماعية والمدنية فيه، تربوياً وتعليمياً وعلمياً، وأن بناء الفرد
والمؤسسات بناء سليماً ـ علمياً ـ متوازناً، يتيح فرصاً أكثر للخروج من
حالة الإحباط والضياع، وانتهاك الحقوق والحريات، وضمور القيمة الخلقية
والشعور بالمسؤولية وعدم احترام الفرد والقانون والمصلحة العامة والآخر
الشريك، التي نعاني منها.
ولذلك فإننا نرى في الطغيانية ـ "الدكتاتورية" ـ حالة سياسية متخلفة
لا تتلاءم مع القيم العربية والتعاليم الإسلامية، ولا تتفق مع روح
العصر وتطلعات العرب للمستقبل، وتشكل أهم معوق من معوقات التقدم
الاجتماعي والعلمي والروحي والاقتصادي في الوطن العربي. ولذا فإننا
نعلن وقوفنا ضد "الديكتاتورية" وأشكال الحكم الاستبدادي
أينما وجدت، وندعو إلى العمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية عربية تقوم
على المساواة والعدالة الاجتماعية وترسّخهما، وتستند إلى أوسع مشاركة
جماهيرية في صنع القرار السياسي واتخاذه، والإشراف على تنفيذه
والمحاسبة على ذلك التنفيذ، وعلى أساس مساهمة الأفراد بموضوعية وحرية
وفعالية: روحية وقومية واجتماعية في ممارسة حقوقهم المدنية وأداء
واجباتهم بوصفهم مواطنين متساوين تماماً، بما لا يعطل الشرائع
والتشريعات، وبما يحقق سيادة القانون، وسلامة الوطن، وإيجابية المواطن،
وصحة مناخ العيش والإنتاج والإبداع، وبما يحد من الفقر والمرض والجهل
وانهيار القيم وانتشار الفساد في العلاقات الاجتماعية والأوضاع العامة،
متحاشين العنف ما أمكن ذلك.
إن المثقفين العرب إذ يتمسكون بهذه الثوابت التي تشكل المشترك العتيد
الأولى بالرعاية والاعتبار فيما بينهم، يؤكدون عزمهم على تعزيز مكانة
الثقافة ودورها، وتحرير ساحتها، وتحصين استقلالها ورؤيتها وإرادتها،
خدمة للأمة وخدمة للثقافة، وحرصاً على مناخ ثقافي قومي واجتماعي سليم،
تنمو فيه القيمة في ظل الفعل المنقذ، وينمو فيه الشعور بالمسؤولية على
أرضية الانتماء القومي والإنساني وفي ظلال الحرية والتكافؤ، كما
يؤكدون عزمهم على وضع نقاط الاتفاق تلك فوق كل خلاف فيما بينهم والنظر
إليها بوصفها ثوابت مبدئية ـ قيمية ـ قومية ـ نضالية، وجعلها أساساً
لمعيار يحكم مواقفهم وتعاملهم، ويحتكم إليه في تقويم الأفعال والسياسات
والمواقف والتوجهات والأشخاص.
المؤتمر العام السادس
لملتقى الحوار العربي الثوري الديموقراطي
طرابلس في 7 الربيع مارس 2005