حركة اللجان الثورية هي حركة ثورية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب
 
ندوة حول المضامين التاريخية والفكرية لخطاب قائد ثورة الفاتح العظيم في تظاهرة واعدوا
    الندوات والمحاضرات صور الندوة ورقات العمـل
   
الفرق الكلامية  (قراءة فكرية للفرق الكلامية بالغرب الإسلامي)  
الحضور الفاطمي الثاني في التاريخ  ( في الوضع التاريخي والتأريخي للدولة الفاطمية)  
قراءة في تاريخ الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا والمشرق العربي  
من اعلام الأدب الفاطمي (خليل بن إسحاق بن ور نموذجا  
جذور الفتنـة في الفرق الإسلامية من منظور تاريخي  
من روائـــع الفنـــون والعمــارة الفاطميــــة  
النظرية الجماهيرية وإشكالية التطبيق  
   

                 الفرق الكلامية

(قراءة فكرية للفرق الكلامية بالغرب الإسلامي)

 

 

 

       د. جمعة مصطفى الفيتوري

     أستاذ العقيدة الإسلامية والأديان

 

 

 جامعة المرقب – كلية الآداب والعلوم زليتن

                 قسم التفسير

               22-5-2007ف 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام الأطيبان الأزكيان الأكملان على أشرف الخلق محمد r ، وبعد ..

يقول الله تعالى في محكم التنزيل وبعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ([1]صدق الله العظيم .

 

تاريخ الفرق الكلامية بالعدوة الإفريقية

تعتبر فرقة الخوارج[2] أقدم فرقة كلامية ظهرت بالعدوة الإفريقية قبل منتصف القرن الأول الهجري، ونظراً لاضطهادهم من قبل  المسلمين الذين رفضوا المذهبية الكلامية، هربوا إلى شواطئ تونس وجزيرة جربه. لقد وجدت مبادئ الخوارج عقولاً تستقبل أفكارهم بين السكان، خاصة في المغرب وجنوب تونس، وذلك لما تدعوا إليه من مساواة، وأن الخليفة لا ينبغي أن يكون قرشيا. إن أول من دعا بمبادئ هذه الفرقة بالعدوة الإفريقية هو عكرمة بن عبد الله[3]، الذي كان ثائراً ضد الأمويين الذي تحيزوا لأنفسهم، وفرقوا أبناء المسلمين[4].

أما المذهب الأباضي[5] فقد جاء إلى العدوة الإفريقية في بداية القرن الثاني الهجري على يد سلمة بن سعد[6] الذي أخذ مبادئ الأباضية على يد أبي عبيدة بن أبي كريمة البصري[7]، زعيم الأباضية في عصره، ومن مبادئ الأباضية مقارنة مع مبادئ الخوارج[8].

1- ترفض الفرقتان التحكيم وتأخذان بحكم الشورى.

2- مغالاة الخوارج واعتدال الأباضية.

3- هناك اختلاف في الاعتقاد والسلوك وبعض المسائل الجوهريـة.

4- مرتكب الكبيرة عند الخوارج كافراً، وعند الأباضية عاصيا.

5- الأباضية تقاتل للدفاع عن النفس وعن الدين بعكس الخوارج[9].

أما فرقة المعتزلة فقد انتشرت بالمغرب والجزائر، وكانت "تيهرت" عاصمة الدولة الرستمية هي مركز الاعتزال، يقول الباروني: ((إن الواصلية من المعتزلة قد خرجوا على الإمام وحاربوه، لأنه لما أنهى الإمام عقد الهدنة مع الواصلية، استعد لهم، وتهيأ لإطفاء جذوة نفاقهم، ولما كان جبل نفوسه وما يليه من حيز طرابلس من جملة ولايات مملكته التي تدين بالطاعة له، وتتفانى في رضائه، وفيه من أهل النجدة والشجاعة، وأبطال الحرب، وفحول العلماء ما يعد بالألوف، رأى أن يطلب منهم الإعانة، فأرسل إلى عامله بالجبل كتاباً طلب منه جنداً يتألف من 400 نفر ؛ 100 من خيرة فرسان نفوسه، و100 من المتبحرين في التفسير، و100 من علماء الكلام، و100 من العلماء المتضلعين في الحلال والحرام، إلا أن أهل نفوسه أرسلوا أربعة نفر فقط، وكان مهدي نفوسه هو الذي يمثل علم الكلام، وعندما التقى الإمام الرستمي بمهدي نفوسه قال له : استمع إليَّ حتى أعرض عليك ما جرى بيني وبين المعتزلي من مناظرات، لتقول رأيك، وتعلم مقدار علمه. فأصغى إليه، وصار يسرد عليه الحديث، وكلما رأى خطأ في كلام المعتزلي قال له : هاهنا حاد عن الصواب وسفسط، وكان من الصواب أن تجيبه يا أمير المؤمنين بكذا... واستطاع مهدي نفوسه أن يدخل مع المعتزلي في محاورات، وأن يقحم تسعين منهم بما فيهم شيخهم، وقد سلم المعتزلة بهزيمتهم))[10].

أما عن المذاهب الفقهية[11] فيمكن القول بأن المذهب المالكي[12] كان أسبق المذاهب ذيوعاً وانتشاراً بالعدوتين الإفريقية الأندلسية، يليه المذهب الحنفي، أما المذهب الشافعي فلم يجد له أنصاراً بالمغرب الإسلامي، يقول المقدسي في ذلك ما نصه :((سائر المغرب (ماعدا الأندلس) إلى مصر لا يعرفون مذهب الشافعي رحمه الله، إنما هو أبو حنيفة ومالك))[13].

جاء المذهب المالكي إلى هذه البلاد برفقة الفاتحين من التابعين منهم ابن وهب[14]، أما المذهب الحنفي فقد جاء على يد أسد بن عبد الله[15]  الذي ذهب إلى الإمام مالك بالمدينة المنورة لأخذ مذهبه عنه شخصياً فوجده مريضاً، فقال مالك له : لقد أودعت مذهبي عند ابن وهب، فاذهب إليه، وخذ عنه علمي، هذا الإجابة لم تكن شافية لأسد بن عبد الله، لأنه كان مستنكفاً من أن يأخذ العلم من ابن وهب، الأمر الذي جعله يبحث عن رجل نظير مالك، فدلوه إلى محمد بن الحسن[16]، صاحب أبي حنيفة، فذهب إليه، وأخذ عنه العلم والمذهب الحنفي، ورجع إلى العدوة الإفريقية، وأخذ في نشر المذهب الحنفي[17].

استمر المذهب الحنفي بالغرب الإسلامي قرابة أربعة قرون[18]، ثم أخذ يضمحل على يد المعز بن باديس الصنهاجي[19] الذي كان أول أمره شيعياً يدعو لآل عبيد، ثم انفصل عنهم وأخذ يدعو لبني العباس، وجعل الناس يأخذون بالمذهب المالكي[20]، الذي لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحاضر، وذلك بفعل عدة عوامل أهمها:

1- انتشار الزوايا والأربطة التي أخذت على عاتقها حفظ القرءان الكريم، والسنة، وتعليم العلوم النقلية والعقلية للمسلمين، وكذا نشر العقيدة الأشعرية باعتبارها عقيدة أهل السلف[21]، ونشر المذهب المالكي، مذهب أهل السنة.

2- قيام دويلات إسلامية تبنت المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية ونشرتهما كدولة المرابطين التي جعلتهما أحد دعائم دولتها، ودولة السعديين والعلويين بالمغرب، والدويلات التي قامت في برقة والقيروان وتلمسان[22].

 

3- خصائص المذهب المالكي : ينفرد هذا المذهب عن غيره من المذهب السنية الأخرى، بكثرة وغزارة قواعده الفقهية[23] وأصوله[24]، الأمر الذي يجعله أكثر مرونة، ومن ثم أكثر قبولاً لدى الناس، وبالجملة ((فهو أقرب إلى الفطرة الإنسانية التي يشترك فيها الناس، ولا يختلفون إلا قليلاً بحكم الإقليم، والمنازع، والعادات الموروثة))[25].

4- مكانة الإمام مالك في نفوس المسلمين : يحتل الإمام مالك في قلوب المؤمنين مكانة متميزة، وذلك باعتباره إمام دار الهجرة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم-وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عنه في الحديث : pيوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في  طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينةi[26] فقد أول السلف بأن عالم المدينة هو الإمام مالك[27].

5- مقاومة المذهب المالكي للبدع : ((لم يسجل التاريخ مقاومة للبدع ما سجل للمذهب المالكي مع الخوارج والشيعة الباطنية والمعتزلة، اللهم ما قام به بعض الحنابلة في محنة القول بخلق القرءان، وما كابده شيخ الإسلام ابن تيمية في مقاومة البدع الطرقية في عصره))[28].

 

الصراع العقّدي بالغرب الإسلامي

خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين

إن أهم ما أسجله هنا هو ذلك الصراع العقٌدي والفكري الذي شهده المغرب خلال القرون العاشر والحادي والثاني عشر، متمثلا في ظهور طوائف مبتدعة تقول إحداها بالمهدية، وثانيها تقول بفكرة الإحلال والترك. وثالثها تأخذ بظاهر النص القرآني وترفض بما جاء في السنة المحمدية وأقوال الصحابة والتابعين. وفيما يلي توضح لتلك الفرق المبتدعة.

 (1)  جماعـة المهديـة

المهدية إحدى المبادئ الأربعة التي تقوم عليها عقائد الشيعة الكلامية وهي عصمة الأئمة، والمهدية، والتقية، والرجعة[29].

فالإمامة حق إلاهي تختار من قبل الله لأحد البشر، والإمام كالنبي معصوم من الكبائر والصغائر، وهو وسيط بين الله والبشر، ومن أحب آل البيت رفع عنه التكليف الإلاهي الذي يتوقف عليه الإلزام والمسؤولية الأخلاقية.[30]

 إن المهدية تعني ترقب الإمام المهدي الذي سيملأ الأرض عدلا بعد فترة الظلم التي سيطرت على ضمائر البشر.

 أما الرجعة فإنها تعني رجعة النبي وعلي والحسن والحسين والأئمة الباقيين إلى الدنيا بحضور المهدي للانتقام من الظالم، ثم الموت جميعا للبعث يوم القيامة.

أما التقية فيقصد بها أن يحافظ الشيعي على نفسه وممتلكاته من بطش العدو .

 إن الظروف التي ظهرت فيها فرقة الشيعة أول أمرها بالشرق العربي هي نفسها الظروف التي انبعثت فيها من جديد بالغرب الإسلامي، ولعل مرد ذلك إلي الفراغ السياسي للدولة الإسلامية، فخشية أن يتلاشى وجودهم أمام الزحف الأموي والسعدي والعلوي، جعلهم يقولون بتلك البدعة الضالة، من أجل استمالة الناس إليهم.

إن ظهور فكرة المهدية بالغرب الإسلامي، ما هي إلا انبعاثا للحركة الشيعية المشرقية من جديد، ذلك أنها وجدت أرضية خصبة لنموها وانتشارها بأديم المغرب، وهذا أمر طبيعي، ونتيجة منطقية للفراغ السياسي الذي يعاني منه المغرب آنذاك، حيث تصارعت القبائل من أجل الاستحواذ على مركز السلطة، ونشر نفوذها عليه .

لقد تحدث الشيخ اليوسي على وسواس المهدية عندما يجد الإنسان نفسه قوة إيمانية بقوله: ((فيوهمه ذلك أنه قوي على أن يصدع بالحق، وبما أوهمه ذلك أنه هو الحقيق بذلك دون غيره، أو أنه المهدي المنتظر، فيتحرك على طمع أن ينقاد له الأمر، وينقاد له أنباء الزمان، ويحفر فيكوى، ولا يعيد ولا يبدي، ثم يصير أشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر، فلا يسعه على زعمه إلا فتح أبواب التأويلات والترخصات، وإسعاف الناس بعد أن قام ليتبعوه، ومن هنالك يهدم الدين عوض ما قام ليبنيه، ويخفض الحق مكان ما انتهض ليعليه، فإياك وأياك)) .[31]

 ومن القائلين بالمهدي المنتظر أبي العباس أحمد بن عبد الله السجلماسي المعروف بأبي محلي[32].

تلقى تعليمه بفاس ابتداء من سنة 980 هـ، فكان ضليعا في علمي النحو والفقه. وهذا ما يفهم من قوله: ((النحو صنعتي والفقه رغبتي)) [33] بقي ملازما لشيخه أبي عبد الله سيدي محمد بن مبارك الزعري ثمان عشرة سنة، ثم استقر ببلدة سجلماسة بأمر من شيخه، وهناك إنتحى منحى التصوف، ودعا لنفسه بأنه المهدي المتنظر، لانقاد المجتمع من ظلم أبناء المنصور[34].

وجاء في رسالة كتبها ابن أبي محلي بعد النجاح الذي حققه، وهي عبارة عن أجوبة يكشف فيها انتشار الظلم وفساد الأخلاق، جاء فيها ما نصه: ((كلامك أيها الإنسان كله يحوم حول مقام المهدي المشهور عند العامة بالفاطمي المنتظر... فإن كتبه حقا، فأصدع بما تؤمر، وبشرنا تؤجر... وللمهدي المنتظر في الأجفار... إمارات في معناه ومبناه، وزمانه ومكانه، واسمه وأبيه وأمه وأمده وأصحابه وإنسانه، فليبحث عنها فريده ... ولذلك كله سددت هذا الباب في دعوى الناس قاطبة للجهاد ليلا يطول الخصام الذي لا يرفعه إلا الصمصام))[35].

ويقول الشيخ أبو العباس أحمد التواتي[36]  في رسالته المسماة : ((مقامة التحلي والتخلي من صحبة الشيخ أبي محلي)) ما نصه : ((كان الفقيه أبو محلي في أول أمره فقيها صرفا، ثم انتحل طريقة التصوف مدة حتى وقع على بعض الأحوال الربانية، ولاحت له مخابل  الولاية، فانحشر الناس لزيارته أفواجا، وقصدوه فرادى وأزواجا، وبعد صيته، وكثرت أتباعه... فلما سمعت بذلك ذهبت إليه وجلست عنده إلى أن وجدته يشير إلى نفسه بأنه المهدي المعلوم المبشر به في صحيح الأحاديث، فتركته وراء ونبذته بالعراء)).[37]

وتحدث اليوسي عن حركة أبن أبي محلي بقوله : ((وادعى أنه المهدي المنتظر، وأنه بصدد الجهاد ، فاستخف قلوب العوام واتبعوه ، فدخل بلد سجلماسه، وهزم عنه والي الملوك السعدية، واستولى عليه، ثم أخرجهم من درعة، ثم تبعهم إلى حضرة مراكش. وفيها زيدان بن أحمد المنصور، فهزمه وأخرجه منها))[38].

محمد التاهرتـي[39]

  أدعى هذا الرجل بأنه المهدي المنتظر، واتخذ من تزنيت مقرا لدعوته الباطلة. جاء في رده على إحدى رسائل عبد الرحمن التمنارتي[40]، الذي وقف ضّد دعوته ما نصه ((أنا لؤلؤة الأصداف، أنا جبل قاف ! أنا سر الحروف، أنا برز الظروف ! أنا الجبل الراسخ ، أنا العلم الشامخ!  أنا نور الأرواح، أنا روح الأشباح ! أنا الفارس الكرار أنا نصرة الأنصار، أنا شمس مرآة الأفكار!، أنا السيف المسلول، أنا برزخ البتول، أنا سليل بنت الرسول !... أنا سفينة البحر، أنا عماد القصر، أنا صاحب النصر يوم الجمعة بعد العصر!... أنا صاحب الجفر الأحمر، أنا لابس الأبيض والأخضر! أنا عنقا مغرب، أنا شمس المغرب!...  أنا حوت النجم الزاهر، أنا مشتريه الظاهر! أنا قطب فلك الأسماء ومركز مدار السماء ! أنا حجاب النور، وسقف البيت المعمور!.. أنا هدية الرحمن، ومغضب الشيطان، وهازم السلطان[41]!)).

    ينصح التمنارتي التاهرتي بالتوبة بل يتحداه أن يدخل ماسة التي منها سيخرج المهدي المنتظر، كما كان شائعا عند أولئك المهتمين بظهوره.[42]

يقول التمنارتي في ذلك شعرا  :

           ((تمطيت متن الغي في كل وجهــــة  + هواء بذاك الغي فوق هــواء

            فهلا رحمت النفس بالتوبة الـــــتي + تجير أخا صدق وخـل تقـــاء

            وأعرضت عن قول السفاهة والخنــا + وسرد ضلال الدهم دون خفــاء

            وماسة منك من قريب فقم لهـــا  + بين لك وجه الحكم دون قضــاء))[43].

 

تحدث التاهرتى عن الإمام العادل وهو المهدي الذي به يقام الدين، ويصلح حال المسلمين، وهذا يعتبر ردا على التمنارتي :

((... به أقامة هذا الدين حققهــا    +أهل الشريعــة إذ بالحجـــة إنتبــرا

هذا هو الحق لاشيء سواه فــدع    +عنك التقاعس والأنفـــاس مبتــــدرا

صارت به الكتب تعريفا لناصــره  +    فاستفت حبرا يقول الحق إذ نظـــرا

إن الأمين رسول الله باح بـــــه   +   إلى ذوي العلم فأسال كل من مهرا

إذا قال يجبر هذا الدين ناصــره   +   بعد الجبابرة الأنذال  فانتظـــــرا))[44]

 

 كتب التمنارتي رسالة إلى التاهرتي يذكٌره فيها بمصير أولئك الذين انتهجوا طريقه، فكان مصيرهم الهلاك والموت ((وهلا أتعظت بصاحب  هواك أحمد بن عبد الله[45]. الذي بلغ غبار جرأته وفتكه عنان السماء، وهول ما هولت به من الفاطمية والمهدية وخواص الأسماء، قد لعبت به عقبان جو هذا القطر الذي طمعت أن تدبر ملكه، وأن تدير في الأمور ملكه ثم ما وريت به من المريخ لنفسك. فإنك أضمرت للمسلمين ظفرا لأنه دوي نحيس))[46].

  ثم ينهي التمنارتي رسالته بأن يرجع التاهرتي إلى رشده ويأمن زحف السوسيين عليه: ((ثم إن انتهيت فلك السلامة، انتقت عنك الملامة  إلا فانظر أي سماء تظلك وأي أرض تقلك فإن القطر بأمرائه سيرميك بحبله وفضائه، موشك أن ينزل بك غضب الله، وكريه قضائه، فتشتت عنك حيلة معيشتك، وتتلون عليك أيام عيشتك))[47]. وإلى حد هذه المراسلة لا نعرف ما الذي فعله القدر بالتاهرتي .

محمد الكراري.

من القائلين بفكرة المهدية فأخذ يدعو لنفسه بها في كل البلاد التي زارها. يقول العياشي في ذلك ما نصه : ((وجال البلاد شرقا وغربا، فلم يدع المغرب الأقصى ولا أفريقية وبلاد السودان، وأقام بمصر نحو سبع سنين... ودخل اليمن ادعى فيه المهدية أو ما يشاكلها فلم يتم له ذلك، ودخل العراق، ثم ذهب من هناك إلى القسطنطينية، وهو في كل ذلك يّصرح بما في نفسه من الإمارة ولا يكني... ثم جاء من الروم إلى طرابلس في سفينة سنة ستين، ولقيته إذ ذاك بمسراته[48] عند ضريح الشيخ زروق، وقال إلي قد أذن لي في نصرة الدين إظهار، الكلم  وأخبرني بذلك من لقيته من الصالحين وقد جئت إلى هذا الشيخ أستأذنه، فأنا أنتظر الإذن من قبله))[49].

وبعد أربع سنوات يلتقي العياشي معه بفجيج، ويصّرح له بالتوبة بعد أن قصّ له رؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم في المنام، يقول العياشي في ذلك ما نصه : ((ولقيته بها أوائل سنة أربع وستين، فطلب منا المساعدة على ما يحاوله، فلم يصادف عندنا ما يجب، وأظهرنا له جلية أمرنا، وأنّا لسنا ممن يتعرض لما ليس من شأنه، ولا ممن له قدرة على أقل ما يحاوله، فلما تحقق ذلك منا أظهر التأسف والتلهف على مضي من عمره، وسعيه في غير طائل)).

فقال : ((إني جلت جوانب الأرض كلها، فلم أجد من يبكي الإسلام بالعين التي أبكي بها، فو الله ما كذبت، ولا كذبت، إلاٌ إني عسى أن أكون قد غلطت فيما أخبرت به، فإنـي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي : أنت عالم وغني وسلطان، فأما العلم فقد حصلت منه ما قسم لي، وأما الغنى فإني لا أعدم الخمسمائة دينار وما يقاربها متى طلبتها. وأما السلطة فلعلها سلطنة الآخرة، وكنت أظنها في الدنيا وأنا الآن تائب مما أنا فيه[50])).

  هذا هو الكراري كما ذكره لنا العياشي، والذي ادعى المهدية، ولكنه سرعان ما رجع له عقله، ومات على ملة الإسلام  .


طائفة العكاكزة[51]

تنسب هذه الطائفة إلى الشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الملياني[52] تلميذ الشيخ زروق. إلا أن عبد الملك التجمعوتي[53] اعتبر هذه الصلة،  لا أساس لها من الحقيقة وذلك أن الشيخ أحمد ((كان رجلا من جبال الدين...فحاشاه))[54] أن يفعل مثل تلك الأعمال الضالة .

  وفي هذا المعنى أيضا يقول ابن القاضي ما نصه : ((وإليه رحمة الله عليه (يعني الشيخ أحمد بن يوسف ) تنسب الطائفة اليوسفية بالمغرب الملعونة، وحاشاه أن يقول بمقالتهم إذ هم أحلو ما حرم الله تعالى، وقد اختلفوا بدعتهم من ترك الصلاة والصوم واستباحة الزنى والدياثة والقيادة أذلهم الله وأخزاهم... وهي طائفة من الطوائف المعدودة بالمغرب التي خرجت عن الحق إلى الزيغ والعياذ بالله من مخالفة السنة والجماعة، أماتنا الله على إتباع السنة والجماعة الصالحة بمحمد وآله))[55].

  ولعل ابن القاضي كان على حق، كما كان عبد الملك التجمعوتي عندما اعتبرا بأن الشيخ أحمد بن يوسف لا صلة له بتلك الطائفة الضالة، ذلك أن الشيخ قد صّرح بأنه : ((من قال عنا ما لم نقله، يبتليه الله بالعلة والقلة والموت على غير ملة))[56] .

أطلقت هذه الطائفة على نفسها عدة أسماء، كما لقبت المسلمين  بأسماء، يقول اليوسي في ذلك ما نصه : ((سموا أنفسهم أسماء وسموا المسلمين بأسماء أخرى ليتميز كل فريق بلقبه، فكان منهم من كان بقبائل البربر كزمور[57] يسمون أنفسهم  أعكازين  ويسمون المسلمين أرمين[58] ومن كان بقبائل العرب كأهل تادلا[59] يسمون  الشراقة [60]ويسمون المسلمين الخراثلـة  ومن هذا المعنى قولهم للمسلمين إنهم أصحاب محمد، ونحن أصحاب أحمد))  [61].

وهناك من اعتبر أن العكاكزة جاءت رمزا للعكاز التي اتخذته الطائفة عوضا للخرقة  يقول الهشتوكي[62] عن فترة ظهور هذه الطائفة بقوله : ((تكّلم فيها العلماء خلافة السلطان الرشيد سنة 1080هـ، واختلفوا فيهم، فمنهم من يقول هم زنادقة، ومنهم من يقول هم مرتدون يستتابون. وآل أمرهم في ذلك الزمان إلى الاستثابة، فتابا ظاهرا بعد أن أوتي بأكابرهم المجرمين إلى الحضرة البيضاء، وسجنوا بها شهورا، ثم أطلقوا بعد التوبة))  [63].

من تعاليم الطائفة الضالة إنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم للصلاة والصيام، وإباحة الزنا، وأكل الميتة، وقتل المسلمين وأخذ أموالهم[64].

وقد تنكر لهذه الطائفة، وكتب عنها كل من :

1- محمد بن علي الشفشاوني الملّقب بابن عسكر[65] في مؤلفه ((دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر)) [66].

2- ومحمد العربي بن أبي المحاسن الفاسي[67] في كتابه ((مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن)) [68].

3- وأحمد بن محمد أبن أبي العافية المكناسي المشهور بابن القاضي