| حركة اللجان الثورية هي حركة ثورية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب |
![]() |
|
النظرية الجماهيرية وإشكالية التطبيق |
| الندوات والمحاضرات | صور الندوة | ورقات العمـل | ||||||
|
||||||||
|
عنوان المحاضرة : النظرية الجماهيرية واشكالية التطبيق الأستاد المحاضر : مدير اكاديمة الفكر الجماهيري أ. د. المهدي امبيرش بتاريخ : 3/7/2007 |
|
مقدمة من نافلة القول التأكيد على أهمية العمـل علـى تحـديد مفاهيم المصطلحات ، لعلاقة هذه المفاهيم بمشروع الفلسفة من الأساس ، على اعتبار أن الفلسفة هي مشروع مفهومي ، وأن الفهم هو أحد المعطيات ، إن لم يكن أهمها من أجل التفاهم . وكما يفهم من عنوان هذه المحاضرة أننا نتحدث تحديدًا عن النظام ، وعـن النظـام الـذي يوصـف أنه نظـام جماهيري ، وعن الإشكاليات ، وكذلك عن التطبيق ، والخوض في هذه المفاهيم من خلال هذه المصطلحات ، هو الخطوة الأولى لإيضاح الماصدق ، وبطبيعة المشروع الفلسفي المفهومي ، فإنه سواء أطرحت إشارات للاستفهام ، أم لم تطرح ، فإن علامات الاستفهام تظل قائمة ، كما أنها تدفع باستمرار في طريق المعرفة إلى الفهم الذي هـو بعض المعنى ، ولا أظن أن علامات الاستفهام ستختفي ، ما دمنا في سبيل العلم ، وما دامت المعرفة بعض العلم ، مثلما المفهوم بعض المعنى ، وما دمنا كذلك نسلّم أن الانسان المحدود لا يمكن بحكم هذه المحدودية أن يصير مطلقًا ، إلا بضرب من الادعاء ، والتمحل ، والشطح ، الذي يوصل في نهاية المطاف إلى العدمية ، والانطفاء والحكم على المشروع المفهومي بالموت ، كما هي الصيحات اليائسة ، قديمها وحديثها. ماذا نفهم من مصطلح النظام ؟ ، إن إشارة الاستفهام ماذا ، سـواء تلفظنـا بها ، أم خططناها ، في ما يطلق عليه توسعًا الكتابة ، مع الفارق الكبير في المفهوم البياني العربي بين الخط والكتابة ، هذه الإشارة ، التي هي تعبير عن علامة في الذهن تبحث عن الفهم ، تشير إلى المجهول ، الذي يعبر عنه صوت الميم ، والذي يعطيه المد الذي نرسمه (ألفًا) في الخط ، بعده الذي يحول دون الإدراك ويدفع إلى المزيد من بذل الجهد من أجل إدراكه ، واضعين في أذهـاننا مفهـوم فعل الإدراك ، بمعنى اللحاق بـ ، أو الإمساك بـ ، واللحاق والإمساك يعطي مفهوم المتشيأ ، إذ لا يدرك إلا هذا المتشيأ ، وكأننا نحول هذا المفهوم ، أو نحاول أن نقترب به في عمل إبداعي إلى التجسيد ، كما تسعفنا ( ذا ) ، التي تؤكد هذه الإشارة وتعطيها هذا البعد المتعين ، فكأننا نشير إلى متعين ولكننا لم ندرك بعد ما هيته ، أو مائيته ، التي تؤكد هذه الغيبة لهذا الماهوي ، أو لهذه الماهية ، أو المائية . إننا إذا أمام متعين مدرك في جـزئه المتظـرف ، ولكـن (جوهـره) غير مدرك ، وهنا نستخدم هذه الاستعارة التي درج المتكلمون على توظيفها للتعبير عن الماهوي أو الغيبي في علاقته مع الظاهر أو المتمظهر ، وإن كانت الكلمة فـي بدايتها ذات الأصل الفارسي (كوهر ) ، مـع وضـع خـط أفقي فـوق الكاف ، والذي يجعلها تنطق كالجيم في اللهجة المصرية ، والجوهر هو معـدن ثمين ، ربما هو أكثرها سعرًا زمن استخدام تلك الاستعارة ، وبذلك نستخدم إشارة الاستفهام ( ماذا ) في العربية ، فتضعنا هذه الإشارة أمـام مسؤوليـة الفهم ، كما تضعنا ، وهنا نقارب مفهوم القصدية عند ادموند هوسرل ، وعند بول ريكور ، أي قصدية الفهم ، كما أن هذه القصدية تضع كل الذين ضمن مجال السؤال في فعل متشارك ، وهنا نقترب إلى حد ما من الوظيفية ، أو ما يطلـق عليها توسعًا ، التواصلية ، كما يعرضها أحد أقطاب مدرسة فـرانكفورت ، ونقصد به هابر ماس ، وكما تلقفها الفلاسفة المفكرون الوظيفيون والنفعيون ، وخاصة ، الأمريكيين منهم ، إننا بذلك ندعوكم ، كما ندعو من يتلقى هذا المشروع المفهومي ، إلى فعل الفهم المشترك فيه ، حتى يتم الوصول إلى المعنى . إن المصطلح فيه مفهوم الصلاحية ، أي صلاحية اللفظ لتأدية المفهوم ، وهنا ننبه إلى أننا نلح علـى استخـدام المفهـوم ، لا المعـنى ، للعلـل التي أشرنا إليها ، وللعلاقة البعضية بين المعنى والمفهوم ، والتي سوف نوضحها أكثر عند الحديث عن النظام الجماهيري والتطبيق ، وإشكاليات التطبيق ، ولأن المصطلح هو صلاحية ، فإنه يعطي كذلك مفهوم المصالحة مع مفهومه ، ومفهوم المصالحة بين الذين يستخدمونه والذين يقبلون به مصطلحًا ، أي صالحًا لتأدية المفهوم ، وإن كانت الصلاحية هي الأخرى مشروعًا قابلاً للامتداد ، وأن هذا الامتداد هو الذي يعطيه هذه الشرعية ، التي تجعل من هذا المدرك المتفق عليه حالة شروع منفتح على المستقبل ، فإذا تجاوزنا هذه المقاربة المفهومية بمعنى المصطلح ، فإن النظام يعطينا هو الآخر ما هو أبعد من عملية النظم ، أو الانتظام ، إنه يقدم هذه الحال الطبيعية التي هي غير التنظيم ، حيث التنظيم هو تدخل قسري لجعل ما ليس نظامًا نظامًا ، إن النظام هو الطبيعي ، أو بالتعبير اللساني هو حالة البيان ، في حين ان التنظيم هو حالة المنطق ، من ثم أطلق الفيلسوف المقدوني أرسطو على محاولته المنطقية اسم ( الارغانون ) ، والتي يستخدمها الأوروبيون في لغاتهم اليوم على أنها عملية (Organizing) ، ومنها كذلك لفظة (Organization) ، فحديثنا هنا عن مصطلح النظام ، وليس التنظيم ، وهذا نفهم منه أن الوصف بالجماهيري وصف له دلالته ومفهومه ، في علاقة جدلية ، فالجماهيري نظام ، والنظام جماهـيري ، أي أننا نعطي كليهما مفهوم الطبيعي ، غير الاصطناعي ، وغير القسري ، وبالمقابل يمكن أن ندرك أن ما سوى النظام الجماهيري ، هو غير جماهيري ، وهو غير نظام ، والتنظيم هو عملية تشكيل وتركيب ، قد تصدق على المادي الفيزيائي ، ولكنها لا تصدق بالكامل على الانسان الذي هو وعي وإرادة وفعل ، وهو ما يجعله يرفض التأطير ، والتشكيل ، والصب داخل قوالب اصطناعية تفرض عليه التنظيم ، أي أن النظام الجماهيري يقدم مشروعًا منفتحًا على الحرية ، وللحرية ، مشروعًا للإنسان وهو يتقدم نحو الاكتمال والكمال في حده البشري الإنساني . إن عنوان المحاضرة الذي يشير إلى الإشكاليات ، يعطي مفهوم التساؤل غير المصرّح به ، إذ كيف أن النظرية الجماهيرية التي جاءت لحل مشكل العلاقات الاجتماعية ، التي أسست على غير قواعدها الطبيعية ، وأنتجت علاقات ظالمة سياسية واقتصادية ، وقدمت النظام الجماهيري ، يواجه هذا النظام إشكاليـات في التطبيق ، حتى أن المشككين ، والذين هم أسرى الثقافـات غـير الجمـاهيرية ، يحاولون إلصاق هذه الإشكاليات بالنظام الجماهيري نفسه ، وهنا يلاحظ المتتبع لهذه المحاضرة ، أننا نفرق بين المشكلة والإشكالية ، فالإشكالية هي غير المشكلة ، هي تعدد احتمالات ، وليس المشكلة ذاتها ، ولتوضيح الفرق بين المشكلة والإشكالية ، فالذي في حاجة لشراء مركوب ، وليس لديـه القـدرة على الشراء ، فإنه في هذه الحالة يواجه مشكلة ، فإذا ما كـان قـادرًا على الشراء ، وذهب إلى دار العرض ، فإن إشكاليات قد تبرز أمامه ، مثل اختيار نوع السيارة ، وربما لونها إذا ما قرر النوع ، حسب إمكاناته وقدرته الشرائية ، ولأننا نعترف بوجود إشكاليات في التطبيق ، وأمام تنظيرات عدة للبحث عن حلول لهذه الإشكاليات ، بما في ذلك المحاولات التي تواجه مباشرة ضمن موقف للعداء والخصومة للجماهير والنظام الجماهيري ، متمثلاً في رفضـه للنظـرية الجمـاهيرية ، وللنظام الجماهيري من الأساس ، وهذه الإشكاليات يمكن أن نتناولها ، ليس من باب التبرير ، أو من باب التوصيف ، مع أهمية الأخير ، ولكن هذه المعالجة تتوخى الأسلوب العلاجي الطبي ، في البحث عن العلل ، وفي مقاربة الأسباب ، في محاولة للبحث عن العلاج ، مع التأكيد أن الجماهير باعتبارها تمظهرًا للشعب هي بعض الشعب ، وأن الحالة الجماهيرية كالحالة الإنسانية في مستواها الفردي ، قد تواجه أمراضًا ، كما أن هذه الأمـراض قـد تكـون مزمنة ، ومن ثم فإن الطبيب المعالج ، أو قل المثقف الثوري ، لابد أن يضع كل هذه أمام عينيه ، وهو يشخص هذه الحالة ، ويحاول أن يحدد الدواء ، وأن يمارس عملية العلاج ، وأن يستخدم كافة الأساليب التي تساعده على تقويم العلاج من خلال النتائج . ( الأسلوب الوصفي الاستقصائي ، بداية العلاج ) حصر بعض إشكاليات التطبيق أولاً : الإشكالية الفلسفية المفهومية : العلاقة بين النظرية والتطبيق علاقة الماهوي بالمتمظهر المحدود ، المتظرف والمتعين ، وهذا الفهم يقودنا إلى أن مشكلة الفكر الإنساني بعامة ، وتحديدًا الفكر الفلسفي ، إذا اعتبرنا الفلسفة ، كما اشرنا في المقدمة ، مشروعًا مفهوميًا ، أو مشروعًا للفهم ، هي مشكلة قديمة حديثة ، واغلـب المحـاولات التي انصبـت على طبيعة هذه العلاقة أدت إلى مشكلات فـي الوسائـل والأدوات والأساليب ، وبالاحرى إلى مشكلات في العلاقات بين هذه جميعًا ، والتي سببها مشكلات معرفية مفهومية ، فالفكر القديم ، الذي نجد أثاره في الفكر المعاصر والحـديث ، واجـه هـذه العلاقـة بين المجهول ، أو الغيبي ، أو ألـ(Theos) ، والأخير منه مصطلح (Theory) : غيـبي ، مفارق ، إلهي ، وفي الاستخدام المتداول : نظري ، ومنه في العربية مصطلح (نظرية) ، فشعور الانسان بالمحدودية وأنه أمام مجهول وغائب وغير مدرك دفعه إلى الخوف من هذا المجهول ، ومحاولة استرضائه ، أو المصالحة معه ، واحيانًا محاولة الدخول فيه ، وربما تجاهله ورفضه ، ومنشأ الخرافات والأساطير ، والسحر والشعـوذة والطلسمـات ، ضمن خطاب المجهول والتخاطب معه ، وضمـن سلطـة الخطاب ، التي يوجد احتكارها خطاب السلطة الكهنوتي القديم الجديد ، باعتبار أن قلة وحدها الصفوة المرشحة للاتصال بهذا الغيبي ومن ثم نقل خطابه ، وتأويله للذين هم في الأدنى ، ومن هذه الثنوية بين الغيبة والحضور ، نشأ الشكل الإملائي الدكتاتوري ، وكانت بدايات الفكر الباطني بعامة ، وظهور أطروحـات الاحتكار ، والاحتقار ، احتكار المعرفة ، أو ادعاء خصوصية امتلاكها ، واحتقار الجماهير باعتبارهم العاجزين عن إدراكها ، وهذا ما أوجد ثنوية المقـدس والمدنس ، وثنوية السماء والأرض ، والمقابلة بين الله والإنسان ، ومن ثم تقمص صفات المقدس من قبل القلة التي تدعي قـدرتها علـى الاتصـال بالأول وتمثيـله ، وفرض تقمص الجماهير للشر ، الذي رمزه الشيطان ، ويمكن أن نعرض نموذجًا لهذه الثنوية في الفكر الأسطوري الإيراني الزرادشتي ، حيث عن هؤلاء الغزاة الذين قدموا من هضبة الهند ، ادعوا أنهم من عنصر مقدس هو (الموابذة) ، يقابله في الأسطورة الاستعلائية الطبقية الهندوسية ( البراهما) ، حيث هؤلاء الموابذة هم المقدسون الذين تجري في عرقهم دماء إلهية ، رئيسهم هو (الموبذ موبذان) ، وإلههم هو ( أهورامزدا ) ، رمز الخير ، والنور ، وبالمقابل فإن السكان الأصليين ، ضمن ثنوية الخير والشر ، والمقدس والمدنس ، هم أتباع أهرمن ، إله الظلمة ، الذي يجب أن يتم سحقه ، وهنا نشير إلى أن خرافة الدم المقدس تتكرر باستمرار ، خاصة في الاطروحات التي تبرر استعلاء أصحابها مستندة في هذا الاستعلاء على خرافات أسطورية كهنوتية ، وإن كانت كلها لا تعمل إلا ضمن الفصل بين قطبين متصارعين ، بل حتى أطروحة الصراع بين ضدين هي نتاج هذه الثنوية ، التي يجب أن تفهم ضمن عقد ومركبات استعلاء ونقص ، استعلاء عند مدعيها ، ونقص عند القابلين بها ، بما في ذلك أطروحة ابن الإله ، أو الملك ، ظل الله في الارض ، والذي سيأخذ فيما بعد ضمن مركب تلفيقي ، ثنوية ما يعرف بالسلطة الدينية ، الـتي يمثلـها الكهنـوت ، أو ما يطلـق عليهـم رجال الدين ، باعتبارهم مؤسسة لها طقوسها ، بل وزيها وشكلـها ، والسلطـة الزمنية ، المتمثلة في الشكل السياسي ، بعد نـزع القداسة منه ، وفرض التبعية عليه ، حتى يحصل على بركة وموافقة هذه المؤسسة الكهنوتية ، ضمن لعبة اقتسام السلطة ، فإذا ما تم الاختلاف بين اللصوص ، عمد الكهنوت إلى تكفير السلطة الزمنية ، وعمدت السلطة الزمنية على رفض سلطـان الكـهنوت بالقوة الماديـة ، أو ، في لعبة صوفية ، يتحد فيها اللاهوت بالناسوت ، ادعت السلطة الكهنوتية أنها زمنية ، أو ادعت السلطة الزمنية أنها كهنوتية ، ويمكن أن نلاحظ ضمن هذا التطور في تقسيم السلطة في أوروبا ، وفي بعض البلاد الإسلامية ، أن طور الكهنوت نفسه في شكل حزب سياسي ، مثـل الحزب الديمقـراطي المسيحي ، في ألمانيا على سبيل المثال ، أو في حزب (الأخوان المسلمين) ، أو حزب الله ، ضمن مصادرات تبريرية لصالح ادعاء شرعية تمثيل الغيبي أو الإلهي . إن اللعبة الثنوية لتبرير الاستعلاء والتفوق نجدها اليوم تتكرر فيما يسمى بمعسكر الخير ومعسكر الشر : نفس الثنوية القديمة : معسكر أوروبا ، او الموابذة الجدد ، وعلـى رأسهم المؤسسـة الانجلوسكسـونية الأمريكيـة (الموبذ موبذان) ، الزرادشتي القديم ، كما يمثل الشرق ، الشر ، أو أهرمن ، وعلى رأسه العرب والمسلمون باعتبارهم رمز الشر ، إننا إذا أمام إشكالية معرفية فلسفية قادت إلى هذه الثنوية ، والتي في حالة عجزها ستقود بداهة إلى البحث عن شكل تركيبي ، يمكن أن نقرأه في الخرافة الأسطورية القديمة متمثلاً في البراهما ، في العقيدة الهندوسية ، الذي سيجمع بين فشنو ، وشيفا ، أو في زروان في العقيدة الزرادشتية الذي سيركب داخله النقيضين : أهورامزدا وأهرمن ، أو كأطروحة اتحاد اللاهوت بالناسوت ، التي وظفها الرومان لصالح حلولية دخول روح بني إسرائيل إلى جسد روما الوثني ، وهي ذاتها ما نجدها في المركـب الثالوثـي الهيغلي ، الذي يبرر تفوق الجرمان ، وتقديم الـ(Synthesis) ، باعتباره الارغانون الذي يجمع الضدين : الـ (Thesis) ، وضده الـ(Anti thesis) ، ويمكن أن نعتبر ما يسمى ( بالعولمة ) بمثابة المركب الجديد ، أو اللوغوس الجديد أو خطاب السلطة الشمولي الاحتوائي الذي يبرر سيطرة الانجلوسكسون التطهريين ، والذين أطلقنا عليهم البراهما الجدد ، ضمن نـزعة صوفية حلولية عدمية تسمح بنهاية التاريخ ، والقطب الوحيد ، والإنسـان الأخير . فإذا تجاوزنا هذه الأزمة المعرفية التي ولّدت مشكلات ، وإشكاليات تمثلت في الفصل من خلال النظرة الثنوية ، أي في التفكيك أو في البحث عن مركب لهذا المفكك ، الذي قد يأتي نتاج العجز عن الاحتواء ، فإن مظهرًا آخر لهذه الأزمة يتمثل في النـزعة التراجعية السلفية ، التي تحول دون تقدم المشروع الفلسفي المفهومي ، وإن كانت هذه النـزعة لا تعدم المنحى الصوفي العدمي ، في حركة تراجعية ، بدل الحركة الاستعلائية إلى المفارق السماوي والأعلى ، كما رأيناه في أطروحة الباطنية الصوفية والحلولية والاتحاد ، والتي طورهـا الفلاسفـة العقلانيون ، وعلى رأسهم سقراط وأفلاطون ، في نـزعة سكونية تحول دون الحركة والتقدم في التاريخ ، وتقدم الفلاسفة او النخبة او الصفوة الكهنوت العقلاني البديل . إن السلفية ، التي وصفناها أنها حالة عجز أمام قانون الحياة باعتباره صيرورة وتغيرًا وتغييرًا ، أي العجز أمام هذا الذي نطلق عليه الواقع ، الذي وقع ، والذي يقع ، والذي سيقع ، تعمد إلى التراجع إلى بعض هذا التاريخ ، أي تحول صيرورة التاريخ إلى متظرّف ساكن ، إنساني ، زماني ، مكاني ، فيتم تضخيم الانسان المنقضي ، أو الماضي ، في عملية نفسية ، حيث تسقط عليه كل صفات النقص في هذا السلفي ، على الذي تقدمه ، فقد يصور ضخمًا ، وقويًا ، وربما كاملاً ، بل يبلغ التضخيم إلى حد تقديمه مطلقًا قادرًا على احتواء كل التاريخ ، كما يتم بالضرورة تضخيم فعله ، وتضخيم المكان والزمـان الـذي يتـم فيـه هذا الفعل ، وتمسي مرجعية الحكم المطلق في كل شيء ، كمالاً ، وجمالاً ، وجلالاً ، إنه بالاحرى الخير المطلق الذي تجسد في هذا المحدود المكاني الزماني ، وبذلك يكتفي السلفيون بالتقليد ، أي أن أفضلهم من يتحول إلى نسخة كربونية طبق الأصل ، أي طبق هذا الأصل السلفي الكامل ، حيث الحقيقة قد اكتملت في ذلك المحدود المكاني الزماني ، ومن ثم فإن السلفية باعتبارها هذا الموقف وهذا الحكم تقول هي الأخرى بنهاية التاريخ ، وتقدم الإنسان السلف باعتباره الانسان الكامل ، ومن ثم يرفض السلفي الثورة والتغيير ، ويرى كل تجديد بدعة وخروجًا عن الأصل ، ومن ثم فإن هذا الموقف السلفي هو موقف سكوني ميت معاد للحياة ، ومعاد للتقدم ، ولأنه يعجز أمام صيرورة الحياة وقانون التغير فإنه يبرر هذا الموت الحكمي بالاتكاء على الآباء والأجداد ، وبملء الفراغ في لعبة تأويلية مكشوفة ، أو أنه بهذا التأويل ، وبهـذه الباطنيـة ، حيـث يقدم الحاضر تشويهًا للماضي ، يتكي على كل ما هو مقدس ومحترم بما في ذلك الشريعة والدين ، فيقطتع من الجملة المقدسة ، بعد إجراء التشويه عليها شاهدًا علـى موقفه ، أو أنه يقتنص من الواقع أي خلل يتم تضخيمه لصالح هـذه الأطروحـة السلفية ، وتاريخ الخرافات والأساطير يسعفنا كثيرًا في تبيان هذا الموقـف السلفي ، واطروحات العود الأبدي ، والانتظار ، ومقولات : لا جديد تحت الشمس ، وليس في الامكان أبدع مما كان ، وما ترك الأول للآخر ، كلها مقولات تقع ضمن هذا الموقف السلفي ، ويمكن أن نشير على سبيل المثال إلى أطروحة ( هزيود ، القرن الثامن ، ق .م ) ، في كتابه ( الأعمال والأيام ) ، حيث يشتم زمانه ويقسم الأزمنة إلى معادن ، يجعل في مقدمتها العصر الذهبي ، عصر الآلهة ، حيث الكمال والمطلق ، لا أن يصل إلى عصره الذي يعتبره عصر الحديد والبرنز ، ومازلنا نقرأ مثل هذه الأوصاف ، حيث يشبه الذي انقضى من التاريخ على أنه فجر التاريخ ، أو صدر التاريخ ، أو العصر الذهبي ، وبالمقابل يقرأ الحاضر على أنه الأسوأ ، والمنحدر ، والناقص ، قياسًا بهذا الكامل ، وتبقى أحلام ذوي الموقف السلفي ، بعودة التاريخ الذي انقضى ، أو بهذا المخلص الذي يأتي ليملأ الدنيا عدلاً ، كما ملئت جورً . ويمكن أن ندخل كل هذه النظريات المتأزمة اليوم ضمن هذا المنحى العدمي الصوفي ، فقد رأينا ذلك في الصوفية الفردية العدمية ، ورأينـاها هنـا في السلفية ، بغض النظر عن هذا النموذج الكامل ، وبغض النظر عن مكانه ، أو وسيلة الوصول إليه والانجذاب نحوه والحلول فيه ، ويمكن أن ندخل في هذا الإطار ، النـزعة الصوفية التي ترتدي لباسًا عقلانيًا ، كتلك التي عند سقراط وأفلاطون ، باعتبارهما نموذجين للعقلانيـة ، والتفسـير العقـلاني لحركة التاريخ ، فأفلاطون على لسان أستاذه سقراط يقدم الكمال في عالم المثل ، وأن النفس الانسانية كانت كاملة ، وأنها لفقـد توازنها سقطـت فحلت فـي الجسد ، وبذلك فإن الخلاص لا يتم إلا بالموت ، أي بموت الجسد وتخلص النفس من قيوده ، فتأخذ ، إذا لم تتلوث ، طريقها إلى السماء ، حيث المطلق وعـالم المثل ، أما هذه الأنفس التي تلوثت فإنها محكومة بالفناء ، وهو ذات المنحى الذي يسلكه الفارابي ، وعلي سينا ، المعروف بابن سينا ، اللذان يقولان بالبعث بالنفوس دون الأجساد ، وأن هناك بعض النفـوس محكوم عليـها بالعـدم والفناء ، لأنها كنفوس الحيوانات والجمادات . وهنا نشير إلى فلسفة أفلاطون تقوم على التذكير ، أي أن النفس البشرية ليست في حاجة إلى معلومات جديدة ، لأنها كانت في عالم المطلـق والعلـم الكامل ، وأن دور الفيلسوف هو التذكير فحسب ، وبلغة سقراط ، فإن مهمته هي مهمة القابلة ، فهو يساعد على ولادة الأفكار المتعسرة ، دون أن يكون له دور في عملية الحمل من الأصل ، ومن يقرأ هذه الرحلة الاستعلائية الافلاطونية عن طريق الدايالكتيك ، فإنه يدرك أن معاناة الفيلسوف من خـلال هـذا الصراع ، هي من اجل الطهـارة والخـلاص ، وهـو ما يذكـرنا بنظرية التناسخ ، والكارما ، والسمسارا ، مطلبًا للانطفاء والنرفانا ، في الفكـر الهندوسي ، ويكون درو الفيلسوف هو دور المخلص ، علمًا بأن أفلاطون هو الأخر يتحدث على لسان أستاذه سقراط بفكرة أن الناس معادن ، وأن أنقى هذه المعادن هو عنصر الذهب ، وأن هذا العنصر نتيجة ولادات في غير زمانها ، أو نتيجة اختلاط غير محسوب ، قد تتلوث بمعادن أقل ، وبالنتيجة يصل أفلاطون من خلال العقلانية إلى حالة السكون ، الذي يرفض الحركة ، ويرفض الثورة ، ومن ثم نجـده يقف فـي صـف الإيليـين ، وبالأخـص ( زينون الـرواقي ، 335 – 263 ، ق.م ) ، الذي نظّر للسكون وإنكار الحركة ، كما نجده ينحاز لمعسكر الميغاريين ، الذين هم على مذهب زينون ، وبالنتيجة فإن الموقـف العقلاني ، كثيرًا ما ينقلب إلى موقف صوفي ، هو في كل الأحوال معاد للتغيير والحركة ، ومناصر للتجريد والسكون ، أي معاد للحياة والحيوية ، وقد رأينا ذلك فيما عرف بالافلاطونية الجديدة في الإسكندرية ، وبنـزعة التجريد العقلاني قديمها وحديثها . إن هذه الأزمة المعرفية يمكن أن نقرأها في الموت الصوفي العام ، أو فيما يطلق عليه ( بوحدة الوجود ـ Pantheism ) ، فأطروحة وحدة الوجود هي صوفية شمولية ، فبدل أطروحة الصوفية الفردية ، يقدم هؤلاء هذا الوجود كله باعتباره الروح ، أي أن أطروحة اتحاد اللاهوت بالناسوت على المستـوى الفردي ، تتحول إلى اتحاد كامل مع كل هذا الوجود ، وهذه النـزعة تقترب مما عرف قديمًا وحديثًا بالمذهب الحيوي (Animism) ، والفرق هو في أن المذهب الحيوي يقول بحلول أرواح كثيرة ، في حين أن وحدة الوجود تقول بحلول روح واحدة في كل هذا الجسد الفيزيقي المتعين ، وقد رأينا هذه النـزعة في الفكر المعاصر عند اليهودي ( باروخ اسبينوزا ، 1632- 1677 ) . وفي هذا السياق يمكـن أن نشير إلـى ما عرف بـ(العَلَمانية ـ Secularism) ، أي النـزعة الأرضية أو الدنيوية ، أو هذا الوجـود أو العالم ، وليست كما يتوهم البعض أنها منسوبة إلى العلم الذي هو سلب الجهل فذلك مـا يمكـن أن نضـع مـرادف له المصطلـح الإنجليزي (Scientism) ، والعَلَمانية على الرغم من ماديتها فإنها لا تعدل هذه النـزعة الصوفية الحلولية ، فهي تقول بأنها الحقيقة كلها على الأرض ، وأنه يجب فصل السماء عن الارض ، أي فصل اللاهوت عن الناسوت ، ولأنها تنتصر للأرض فإنها لا تقول بأنها المدنس ، وتعطي قيمة للإنسان في قدرته على أن يشق طريقـه بنفسه ، وأن يوجد شريعته المدنية ، ودينه المدني ، وأن الشريعة باعتبارها مفارقة وغيبية لا علاقة لها بهذه الحياة ، وغن كان العلمانيون لا ينكرون هذا الغيبي والمفارق ، ويرون أن الانسان هو الـذي ورث صفـات الله ، أي صفـات المطلق ، وقد رأينا هذه النـزعة في الفكر الفرنسي ، الذي يعزز الشخصانية (Personalism) ، ويؤكد على فكرة (الإرادة العامة ) ، التي قال بها (جان جاك روسو ، 1712- 1778 ) ، والذي جاء ضمن مفكري وأدباء ما عرف بالحركة الرومانسية البرجوازية ، يعاضده في ذلك معاصـروه ممن عرفوا بفـلاسفة دائرة المعارف ( الإنسكلوبيديا ) ، الفرنسية ، من أمثال : ديدرو ، ودالمبير ، وفولتير ، وإن كان موقف هؤلاء موقفًا لصالح الشخصية الفرنسية في مواجهة التبعية والاحتواء الأماني الإيطالي ، المؤسس على الميراث الثقافي التاريخي التقليدي ، الجرماني ، الروماني ، الهلينستي ، الاثيني . نـزعة أخرى نريد أن نشير إليها وهي النـزعة التطهـرية الانجلوسكسونيـة ، فقد بدأ الانجلوسكسون ماديين تجريبيين ، معادين لما تقدم من التاريخ ، باعتباره وهمًا وخرافة وميتافيزيقا لا يمكن الاستفادة منها أو الانتفـاع بها ، حيث أن أي فكر لا ينتفع به هو فكر غير علمي وغير مقبول ، كما ذهب إلى ذلك الإنجليزي (فرنسيس بيكون ، 1561 – 1626 ) ، والذي اقتبس هو الآخر أمثولة الكهف الافلاطوني ليستخدمها لمواجهة ما تقدم الانجلوسكسون من معارف ، حيث اعتبرها كهوفًا معرفية ، تؤثر على الحقيقة ، ويعتبر بيكون من أوائل الماديين الذين يقولون بأن الحقيقـة هـي التجربـة ، وأن أي شيء لا يخضع للتجربة ، هو غير حقيقي ، وقد نتج عن هـذه النـزعة ، القـول بالواقعية ، والنفعية ، والعملية ، أي كل ما من شأنه إنكار الغيبي ، ومن ثم تدعي العلمية ، في حين أن العلم هو مشروع معرفي للمطلق يؤسس على اكتشاف الغيبي ، فهي نـزعة تبريرية لاستعلاء الانجلوسكسون ، ومن أجل ذلك تبنى هؤلاء ( التطورية ـ Evolution ) ، والتي قال بها لامارك ، ودارون ، حيث طبقوا قوانين الأشياء على الانسان والحياة والتاريخ ، ومصطلح التطور هو غير مصطلح النمو ، والتقدم ، فهو يسمح بالقفزات الكبرى ، وهذا هو ما يبرر النـزعة الاستعلائية الانجلوسكسونية ، التي تفتقد شرعيتها ومبررها الحضاري التاريخي ، ومن يقرأ تاريخ اللاهوت الأوروبي يمكن أن يدرك أن الكنائس اللاهوتية ليست سوى نـزعات تبريرية تقع ضمن تاريخ الصراع الأوروبي التاريخي الاجتماعي ، فالأرثوذكسية ، ومفهومها الأصلية ، هي التفسير والفهم اليوناني الشرقي لشريعة بني إسرائيل ، وتحديدًا لشريعة الإنجيل ، بعد أن تم فيها التأويل والإضافة ، لملء الفراغ الذي بها ، بسبب محدوديتها ، تمامًا كالثوب الذي تضاف إليه قطع كي يلبسه من هو أكبر حجمًا من حجمه الأصلي ، ثم تأتي الكاثوليكية ، بمعنى العالمية ، فهمًا وقراءة رومانية بالميراث اليهودي التلمودي الإنجيلي ، وليعطي مبررًا للتوسع الإمبراطوري الإمبريالي الروماني ، كما تأتي البروتستانتية فهمًا وتفسيرًا جرمانيًا ألمانيًا لتبرير التفوق الجرماني الألماني ، حيث تخرج الكنيسة البروتستانتية الجرمانية عن التبعية للكنيسة الرومانية الإيطالية ، أي أنها محاولة لسحب بساط الشرعية من تحت المشروع الإيطـالي التراجعـي السلفي ، ويأتي مشروع هيغل التركيبي المنطقي ، والذي يقدّم الجرمان باعتبارهم روح التاريخ ، تنظيرًا ( ثيوصـوفي ) ، لمصلحة تفـوق الألمـان ، ثم تأتي العَلَمانية ، التي أشرنا إليها ، محاولة للخروج عن التبعية لهذا الميراث الجرماني الإيطالي ، وما أسس عليه ، ومن ثم تأتي الأنجيليكية ، تبريرًا للمشروع الانجلوسكسوني ، وللاستعلاء ، وإن كانت كلها لم تخرج عن الميراث الإسرائيلي اليهودي التلمودي ، فلا غرو ، ومن باب المزايدة ، أن يدعي التطهريون الانجلوسكسون الأصولية ، وأنهم الذين جمعوا بين ما يطلق عليـه : العهـد القديم ، الميراث التلمودي اليهودي ، والعهد الجديد ، الميراث النصراني ، وكلاهما شريعة وتأويلاً وتحريفًا ميراث بني إسرائيل ، والذين تهودوا وتنصروا معهم . لقد وصلت المادية الانجلوسكسونية إلى العقلانية والتجريدية ، ثم وصلت الأزمة إلى قمتها الآن في هذه النـزعة الصوفية ، التي من خلال المصطلحات والمفاهيم والشطح ، فمصطلح القطب الوحيد ، والإنسان الأخير ، ونهاية التاريـخ ، لا تفهم إلا على اعتبارها مصطلحات عدمية صوفية ، فمصطلح القطب هو مصطلح صوفي ، والإنسان الأخير ، الذي أطلق على لسان الياباني فوكاياما ، هو الإنسان الكامل في القاموس الصوفي ، ونهاية التاريخ ، ليست سوى معادل مفهومي لمصطلح النرفانا والانطفاء ، ثم تأتي تنظيرات الكهنوت اليهودي الانجيلكي في معركة هرمجدون ، وانتصار اوراشاليم على بابل ، وهبوط المسيح من السماء ، ليحمل أتباعه إليها ، إلا تعبيرًا عن هذا الإحباط والإفلاس والعجز المعرفي ، وإن كان تدمير العراق ، وتقسيم العالم إلى معسكر للخير والشر هي إجراءات لتطبيق الخرافة والأساطير التلمودية على التاريخ والحياة ، وفي هذا المنحى يمكن أن تفهم ما يسمى بالعولمة كما هو المنطق التركيبي الهيغلي محاولة لاحتواء وابتلاع العالم ، ضمن مشروع شمولي (توتاليتاري) . إن هذا التناول الوصفي ، وهذه الأزمة المعرفية قد انعكست على المشروع الجماهيري والنظرية الجماهيرية ، التي جاءت في محاولـة جادة وجديدة عالمية لإخراج الناس من متاهة الضـياع ، ولوضـع الإنسانيـة ضمـن مشروع الوعي ، وضمن مشروع التاريخ ، والفعل التاريخي ، المؤسس على الوعي والإرادة ، فلا غرو أن تكون المعركة صعبة وشرسة ، صعبـة أمام هـذا المشروع ، وشرسة هي مواجهة أعدائه ، في الداخل والخارج ، ومن ثم ، تحمل الليبيون ويتحملون مسؤوليـة هـذه المهمـة التاريخيـة الإنسانيـة الكـبرى ، ولأننا ضمـن هذا التوصيف ، فلابد من الإشارة بشكل موجز كيف انعكست هذه الأزمة الفكرية المعرفية على العلاقات الانسانية ، الاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية والثقافية ، وكيف هو الخطاب الجماهيري في مواجهة هذه الأزمة ونتائجها . لقد البيان الأول للثورة بمثابة القراءة الاجتماعية التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية ، وقد قدم هذا البيان ، الذي لا أظنه حتى الآن فهم فهمًا صحيحًا ، أو قرئ قراءة بيانية ، وإلا لكانت رصدت برنامجًا عمليًا ينعكس على كل جوانب الحياة ، بما في ذلك مشـروعًا لقـراءة التاريـخ وكتابته ، ومشروعًا للدراسات الفكرية والفلسفية والسياسية والاجتماعية والنفسية ، ولكان بنيت عليه أطروحات تحول دون بروز إشكاليات وعقبات تؤثر سلباً في نجاعة الحلول الجماهيرية ، من خلال الحد من نجاحها ، وقد أشار البيان الأول للثورة إشارة في غاية العمق والدلالة عندما وضع مشروع الثورة كوسيلة لعلاج مشاكل ليبيا المزمنة ، ومصطلح المزمن ، تعطي هذا البعد التاريخي والمفهومي لعمق التاريخ الليبي ، ولعمق هذه المشاكل ، التي هي كالأمراض المزمنـة ، والتي قد تحتاج إلى عمليات جراحية تأخذ عمقها من عمق هذه الحالة المزمنة . لقد عكس البيان الأول للثورة أبعد هذه الأمراض المزمنة باستعراضه محطات تاريخية تعرض فيها الليبيون للظلم والاضطهاد والغبن ، ولانتشار الأمراض ، التي تحول دون انتصار القيم الخلقية ، كالرشوة والوساطة والمحسوبية ، وهذا التقسيم الطبقي ، بين سيد ومسود ، وغني وفقير ، ومن ثم كان من المفترض أن تنكب المؤسسات البحثية العلمية على دراسة هذه المحطات بعمق ، وعلى إلقاء الضوء على مزيد من التشخيص ، ومن ثم معرفة العلل وتقديم العلاجات من خلال المشروع الثوري ، إلا أن ذلك لم يتم ، بل ودخلت الثورة بالليبيين في معارك جادة وجديدة ، معارك واجبة ، ولكن الليبيين بهذه الحالة المزمنة لم يكونوا مستعدين لها من حيث القدرات والامكانات التي تحقق النجاح في المعركة ، لقد كان الحماس في ذروته ، وكان المبدأ هو الأساس ، وهذا الحماس ، الذي يقع معظمه في رد الفعل وهذا الإخلاص الشديد للمبدأ أخفى حقيقة أن التغيير لا يتم فقط بالأفكار والمبادئ ، ولا حتى بالأهداف الواضحة ، بل بمعطيات المشروع بعامة ، بالأساليب والأدوات والوسائل ، وبمراعاة الظرف المكاني الزماني ، الذي لا يمكن إغفاله باعتباره إحدى المعطيات الهامة للفعل ، أي أنه يرتبط مباشرة بموضوع الوعي الذي تؤسس عليه إرادة الفعل ، والتي تحكم من خلال معطيات الفعل ، فعل الإرادة ، حتى إذا راعينا القاعدة البيانية العربية ، فإن المبتدأ لا يكون مبتدأً إلا بالخبر ، وهذا الخبر ليس بالضرورة أن يكون أسمًا مفردًا دائمًا ، إذا قد يكون جملة ، وربما قد تفرض الظروف الموضوعية أن يكون الخبر في وضع شبه الجملة ، بين الجار والمجرور والظرف . إن الثورة هي عملية تغيير كيميائي ، والتغيير الكيميائي هو غير التغير الطبيعـي ، وقد أشار القائد في خطاب فلسفي عميق في العيـد السـادس للثورة ، وبتوظيف لساني بليغ إلى هذه الحقيقة ، عندما فرق بين الثورة والانقـلاب ، فضرب مثلاً لذلك حرف ( القاف ) ، في كلمة القـرن ، وحرف ( القاف ) في كلمة الدقيقة ، فقال : ( إن الثورة مثل حرف القاف في كلمة القرن تحدث في كل قرن كلمة مرة واحدة ، وإن الانقلاب مثل القاف في كلمة الدقيقة تحدث في العام مرتين ) ، وأتذكر وأنا في بدايات تعلمي في مدرسة الثورة أن استمعت إلى القائد وهو يتحدث عن خطورة انتكاسة المشروع الثوري ، وهو يضرب مثلاً فيزيائيًا لمن يقذف بحجر ، فإن سقوط هذا الحجر سيكون أعمق من مستواه السابق قبل أن يقذف به إلى الهواء ، ومعنى ذلك أن تراجع في مشروع ثوري ، سيكون التردي ربما أعمق وأكثر حدة وصعوبة من لحظة انطلاق الثورة . إن التغيير الكيميائي هو تدخل لإحداث هذا التغيير يحول دون العودة إلى ما قبل التغيير ، وذلك كعملية حرق الخشب ، أو احتراق السكر ، فإن عملية الاحتراق هذه لا تسمح بعودة الخشب خشبًا أو السكر سكرًا ، أما التغير الطبيعي فإنه يتم دون تدخل ، ولكنه يسمح بالعودة إلى الحال الأولى ، ومثال ذلك ذوبان الملح في الماء ، فعملية الذوبان هي تغير طبيعي ، ولكن البخر قد يعيد الملح ملحًا من جديد ، إن الإشكالية أن مشروع الثورة العملي والعلمي لم نحاول أن نجري عليه هذه القوانين العلمية والعملية ، فالفعل الثوري هو عملية تفاعـل بين معطيات الإنسان ، الوعي ، الإرادة ، الفعل ، ووسائل وأدوات وأساليب الفعل ، إن هذا المشروع هو أشبه ما يكون بعملية التفاعل الكيمائي ، التي تصاغ في قانون معادلة ، والمعادلة هي كالعدل ، لا تفترض المساواة بين العناصر ، بل تعادل العناصر ، بشرط وجود معامل موضوعي الذي يجعل من هذه العناصر عناصر قادرة على التفاعل الذي يؤسس على تنازل عنصري لمصلحة التفاعل مع العنصر الآخر ، وإلا لا يتحقق التفاعل ، إنها عملية بسيطة ولكن أبسط العمليات تدل على أعمق الأفكار ، فالبسيط ليس السطحي ولا الساذج ، بل هو الأساس الذي يتم عليه كل القوانين التقدم المادي المؤسسة على التركيب ، وعلى سبيل المثال ، فنحن المؤمنين بمشروع الوحدة العربية ، كثيرًا ما يستغرقنا الحديث عن معطيات المشروع : الانسان ، المكان ، اللغة ، الدين ، العادات ، التقاليد ، وهذه العناصر لم تتم دراستها بشكل عميق ، بل أكتفي بهذا التعميم الوصفي الذي كثيرًا ما يخدع ، بالإضافة إلى ذلك فقد أهمل المعامل الموضوعي في عملية التفاعل ، إذ احتفظ كل عنصر بخصائصه ، بل وحاول أن يفرض نفسه كافيًا للنهوض بالمشروع ، والنتيجة الفيزيائية هي تحلل هذا العنصر إلى عناصر أولية ، لأنها لم تدخل ضمن المشروع التفاعل الكيميائي ، فالوطن يتحول إلى أقاليم ، وكل إقليم قد يتجزأ إلى ما هو أقل إلى حد التذري ، الذي يسمح بذلات قانون الانشطار الذري ، الذي يقـود إلـى الانفجـار ، ومثـل ذلك اللسان يتحول إلى لهجات ، واللهجات إلى لهجات أصغر وهكذا ، والدين إلى مذاهب ، والمذاهب إلى أقل ، حتى حالة الانفجار الذري ، نموذجه ما يجري في الوطن العربي ، هذا إذا لم يتم استقطاب بفعل هذا التذري ، من قطب خارجي ، بفعل قوانين الجذب الذري ، كما هو حاصل اليوم في هذه الذرات المتجزئة في الوطن العربي ، والذي لا يمكن إخراج مشاكلها من معادلة المشروع الثوري في الجماهيرية ، حيث تلعب دورًا هامًا في هذه الإشكالات التي تواجه المشروع الثوري . إن المفكرين والمثقفين من العرب لم يهتموا بالمعامل الموضوعي بمشـروع الوحدة ، والذي أراه يتمثل في الوعي والإرادة ، الأمر الذي أوصل الكثيرين إلى حالة الإحباط ، الذي يطرح سؤالاً في العمق ، لماذا لم تتحقق الوحدة العربية ما دمنا نمتلك هذه العناصر ، بل إنه مع تقدم السنوات تتحلل هذه العناصر بشكل أصعب ، حتى إننا بتنا نخشى على الجزيئ في هذه العناصر ، فالخوف على مزيد من تجزئة مصر ، أو تجزئة العراق كما يجري اليوم ، أو ربما تجزئة ليبيا ، الأمر الذي يستدعي بشكل جاد إعادة النظر في منهج التفكير من الأساس ، فالمشكلة ليست مشكلة نظرية ثورية ، أو فكر ثوري ، بل المشكلة تكمن في معطيات المشروع ، وفي هذا المنهج الفكري الذي يتعامل مع هذه المعطيات ، حتى تنهض عملية ثورية كيميائية لا تسمح بالتراجع أو الانقلاب . لقد وضع البيان الأول للثورة ، كما سبقت الإشارة ، ليبيا ضمن التاريخ العام ، والتاريخ العربي والإسلامي والعالمي ، ومن ثم لا يمكـن فهـم الحالة الليبية دون هذه القراءة التاريخية ، فأغلب المشكـلات التي واجهتها ليبيا وتواجهها ، وأغلب هذه الإشكاليات لا يمكن إخراجها عن هذه المعطيات العامـة ، إن منهج التفكير الثوري وحده القادر على أن يضع كل هذه المعطيات ضمن المشروع الفلسفي المفهومي ، من خلال طرح الأسئلة الجادة ومحاولة البحث عن إجابات مع إدراكنا أن هذه بالإجابات ليست قاطعة ولا قطعية بالضرورة ، ولكنها قد تتعامل مع اللحظة الزمنية ، وإن كانت سيضعها المشروع المفهومي هي نفسها ضمن التساؤل أي ضمن مشروع التقدم في الفهم المرتبط بموضوع الوعي ، وحتى لا نغرق أنفسنا أكثر في التفصيلات ، ولأننا ضمن الوعي باعتباره معاملاً موضوعيًا في مشروع الفعل الثوري ، فإن أغلب الإشكالات التي تواجه الفكر الثوري ، هو عدم اعتباره مؤسسًا لهذا المشروع ، أي أن يتم التعامل معه باعتباره نظرية غيبية ، ومن ثم تتحول النظرية الثورية إلى أيديولوجيا ، أي أنها توضع ضمن اللوغوس ، أو القالب ، والذي يجمدها ويحنطها ، أي بدل أن تأخذ النظرية الثورية عمقها من خلال تطبيقها ومن خلال ممارستها وامتدادها في الانسان والمكان والزمان ، ويكون الفعل هو تمظهر لها ، تتحول النظرية الثورية إلى خطاب يفتقد الماصدق ، أي بدل أن يتحول الخطاب ضمن المشروع الثوري إلى خطاب ديموقراطي يفتح المجال أمام الجماهير للفعل والممارسة ، يتحول إلى خطاب ديموغوجي يزيف الواقع ، ويحكم على هذا الفكر الجماهيري بتحوله إلى حرفية (دغوماتية ) ، وبدل أن تتعلم الجماهير من خلال الممارسة اليومية ، يقوم الدوغماتيون ضمن الخطاب الديموغوجي بفرض سيطرتهم على النظرية الجماهيريـة ، أي يتحولون إلى ثيوقراطيين ، يرفعون على مستوى الخطاب شعارات الديموقراطية بينما يمارسون الثيوقراطية والاستعلاء والانفصال عن الجماهير ، بل واتهامها بالجهل والعجز وعدم القدرة على الفهم ، ومن ثم يحقق هذا الانفصام ، واحدة من أبرز الإشكاليات التي تتحول إلى أزمة ، إن الاستغراق في الفرضيات قد يسبب انغلاقًا يصل بالفكر إلى حالة الصوفية العدمية ، بل وحالة الإحباط واليأس . إن هذه الحرفية ستعطي مبررًا تحت أسم الإصلاح إلى التحرفية ، أي الكثير من الحركات الثورية تم اختراقها وتدمـيرها مـن الداخـل تحت شعـارات الإصلاح ، وهذا لا يعني أن الإصلاح ليس مهمًا أو ضروريًا ، فالثورة هي مشروع للتغيير ربما هو أبعد من عملية إصلاحية ، ولكن عجز الثوريين والمؤسسات الثورية على تحويل النظرية الجماهيرية إلى مشروع ثوري ، وعلى الحركة ، التي هي مظهر للفعل ، ودليل حياة ، وعلى التقـدم إلى مواقـع متقدمة ، كما هي مهمة الحركة الثورية والفعل الثوري ، تتحول الحركة إلى ما هي أشبه بإله الفيلسوف المقدوني أرسطو ، المحرك الذي لا يتحرك ، أو ربما الذي ليس محركًا وليس قابلاً حتى للتحريك ، ويتحول أفراده بذلك إلى ثقل وعبئ على مشروع الثورة من خلال مواجهة التغيير الذي هو منهج التفكير الثوري ، بدعوة إلى أن أي تغيير هو انحراف وتحريف ، ويتحول المشروع الثوري ضمن لعبة صوفية حلولية إلى شخصانية قاتلة ، ويكون الدفاع عن الثورة هو دفاع عن أشخاص ، إن المشروع الثوري يأخذ عمقه من التاريخ ، أما الأفراد باعتبارهم أعضاء في جسد حي وفاعل ومتحرك فإنهم يؤدون وظيفة عضوية ، ولكن قانون الحياة لا يقبل بأي عضو مشلول ، أو عضو عاجز عن الحركة ، ومن ثم قد يضطر إلى بتره ، إذا أمسى معرقلاً للمشروع وللحركة وقانون الحركة ، ومن ثم فإن الإصلاح بالثورة ، هو غير إصلاح الثورة ، فالثورة مشروع للتغيير أكبر من الإصلاح ، وإن كان الإصلاح هو بعض هذه العملية الثورية التي تتم من خلال المراجعة وليس التراجع . إن التقدمية هي قانون الحياة ، وإن الثورة هي التي تطرح مشروعًا للتقدم إذا راعينا التغير الكيميائي من شأنه أن يختصر الزمن ، فالثورة في مجال المواصلات والاتصالات على سبيل المثال هي كذلك لأنها استطاعت أن تقرب المسافات وأن تختصر الزمن ، إن تاريخ الفكر الإنساني هو تاريخ مراعاة الزمن باعتباره امتداد الفعل ، مثلما هو اعتبار المكان ، وقد عبدت بعض الشعـوب الدهـر واعتبرته إلهاً ، كما أن كل الشرائع الإلهية تعطي الزمان قيمته ، فالقدر هو معرفة الحسابات والمقادير ، أما أن يتحول القدر إلى جبر ، فتلك هي الكارثة الكبرى التي تبرر عدم الفعل والعجز والقصور ، وربما تدفع إلى التراجعية والسلفية ، أي تقدم محاولة للموت تعادي المشروع الثوري ، بل وتناقضه . إن إحدى الإشكاليات التي يواجهها المشروع الثوري في ليبيا ، وهي بعض المشكلة المعرفية العامة في الوطن العربي وربما لها علاقة بنوع ونمط الإنتاج ، هو عمد القدرة على إعطاء قيمة للزمن ، والإيمان بحقيقة أن هذا الزمن يمتد في الزمـان ، فالشعوب التي تعتمد على الزراعة الموسمية يبقى أقصى تفكير لها حول أو عام أي في انتظار الموسم ، وهذا يشكل في اللاوعي الجمعي دافعًا من دوافع السلوك ، لقد رأينا في ثقافة فلاحي العراق الخرافية القديمة ، أن تموز يظهر في كل سنة في فصل الربيع ، ومن ثم جاءت فكرة الانتظار ، وفقدت الجماهير على مستوى الوعي ثقتها في نفسها وقدرتها على التغيير ، هذا إذا لم تصحو هذه الجماهير بغتاً ، كأصحاب الكهف ، فتحاول أن تدخل التاريخ بالورق القديم لتشتري به أزكى طعام . إن هذه الإشكالية يمكن إدراكها من خلال خطط اللجان التنفيذية في الجماهيرية ، فهي خطط وإن كانت تدعي أنها خماسية أو عشرية ، ولكن ذلك على الورق فقط ، إذ إن اللذين ينفذون الخطط هم عاجزون في الكثير منهم على أن يفكروا لشهر واحد ، بله أن يضع خطة للتنفيذ في خمس سنوات ، بل إن تغيرات الأجهزة التنفيذية المستمر إنما يعكس هذه المشكلة التي هي بحكـم العادات ، فتغيرات المسئولين التنفيذيين كل سنة أحيانًا ، وشخصنة البعض ، إنما تكشف عن عمق هذه المشكلة التي وصلها البيان الثوري بأنها مشكلة مزمنة ، إن هذا التغيير الشكلي قد يحدث راحة تهدئ التوتر النفسي ، ولكنها لا تحقق مشروعًا تغييريًا ثوريًا ، إن هذا يذكرنا بالمثـل المتـداول (تغيير السروج فيه راحة) ، ولكن ذلك لا يحل المشكلة ، لقد انعكست هذه الشكلية الظاهرية وهي واحدة من أزمات أي مشروع فكري ، إلا أن أي مسؤول لا يجد أمامه خطة ولهذا المشروع ، فيتحول هو نفسه إلى واضع للخطة ، أي أنه لا يستمر ويمتد من خلال من سبق ، حتى إذا أراد أن يحدث تغييرًا شكليًا ، غير مكتبه أو أمنـاء السر ، وربما بحكم هذه الشخصانية أعتبر المهمة الثورية التنفيذية مهمة خاصة ، في حكم ( الزردة ) ، حيث يتدعي لها كما هـي حفـلة العـرس أصدقاءه وأقرباءه ، وأولئك الذين يعطون هذا العرس نكهة الاحتفالية ، بل قد يتحول المشروع الثوري نفسه إلى احتفالية ، إن المشروع الثوري هو معركة بكل معنى الكلمة ، وللمعركة قواعدها وقوانينها ، ولها ميادينها وزمانها ورجالها ، وإن كان هذا لا يفهم منه أن المشروع الثوري ليس مشروعًا للفرح ، بل المشروع الثوري في الأساس هو مشروع لهذا الوعي بالتاريخ ، بهذه القدرة الفائقة على مشاهدة تحقق المشروع في عالم الغيب ، أو في الآتي ، يدفع إليه هذا التحقق في هذه الآن الظرفية ، التي تخلق الطمأنينة ، والتي تتجاوز الإيمان . ثانيًا : ما الحل ؟ لقد أشرنا إلى أن هذا الاستفهام بقدر واقعيته هو استفهام يضع نفسه في هذا البعد التاريخي ، وفي البعد المفهومي الفلسفي ، إن هناك إشكاليات ، بعض هذه الإشكاليات هي إشكاليات تاريخية اجتماعية وثقافية ونفسية ، هي التي وصفها البيان الأول للثورة بأنها مزمنة ، بل إن البيان الأول للثورة وضع ليبيا ومشاكلها ضمن هذا المزمن ، إن العلاج يجب أن يحدث مقاربة مع أي عمليـة عـلاجية طبية ، بـل إن أي مشـروع رسـالي يتأسـس علـى ثلاث قـواعـد أساسة : الكتاب ، الحكمة ، النبوة ، وقد يتوهم البعض أن هذه شرائط الرسالات الإلهية فقـط ، إلى أنها شرائط لكـل مشـروع رسـالي ولكـل من يحمل رسالة ، فالكتاب هو هذه النظرية التي يؤسس عليها المشروع ، سواء أكان هذا المشروع مشروع إلهي ، أو مقاربة بشرية ، والكتـاب لا يفهـم إلا جملـة واحدة ، دون بتر ، أو تجزئة ، أو تنكيس ، هذه الجملة الواحدة الكاملة ، تكتمل بالجمل التامة ، وعلى سبيل المقاربة ، فإن الكتاب الأخضر هو جملة كاملة ، إما أن تؤخذ كاملة ، أو أن تترك ، وهذا لا يعني هذا الأخذ الحرفي ، بل هذه القراءة لهذه النظرية الثورية قراءة بمنهج تفكير ثوري والمنهج التفكير الثوري هو منهج تفكير علمي في ذات الوقت ، فالفكر في إطلاقه لن ينتقد في المحدود المكاني الزماني البشري ، لأن هذا سيحدث مغالطة فلسفية ، تضعنا أمام فرضية ، إما أن المطلق غير مطلق أو أن الجزئي المتظرف قد صار مطلقًا ، وقد أشرت في مقدمة هذا البحث إلى الأزمات والشرائع التي واجهت الفكر الإنساني بعامة ، والشرائع الإلهية ، واليت أدت إلى ثنوية الفصل بين النظري والعملـي أو إلى إنكـار النظري ، أو إلى الحلول الصوفي ، أو الهروب والتراجع السلفي ، إن الكتاب الأخضر شأن أي كتاب لابد أن يؤخذ بقوة ، كما أن البيان الأول للثورة يعطي هذا الكتاب منهجًا للقراءة عميقة في العمق ، تحول دون الحرفية ، والتحريفية ، وتضع النظرية الجماهيرية مشروعًا للحرية ، كما تضع الديموقراطيـة الحالة المنطقية ، التي تفتح المجال أمام الحرية ، ولكن دون تسيب وانفلات ، فالرفض للمشروع الليبرالي ، أنه يقدم الانفلات على أنه حرية ، كما أن الرفض للمشروع الشمولي الماركسي ، هو أنه يلغي هذه القدرة الذاتية ، ويحول الجماهير إلى أرقام ضمن هذا المشروع الشمولي ، فالديموقراطية الشعبية في المؤتمرات الشعبية تحقق هذا الحضور العيني لهذه الذوات الواعية والفاعلة التي تكون الموضوع الاجتماعي ، وهذا الوعي هو الذي يضع الجماهير في عمق المشروع الثوري التاريخي الذي يرتب عليها المسؤولية ، ويفرض عليـها التسـاؤل باستمرار من اجل البحث عن إجابات ، ومن أجل تصويب الأخطاء بشكل ديموقراطي ، فالديموقراطية هي تمظهر الحرية ولكنها ليست الحرية ، فالحرية مطلق يتقدم الإنسان فيه كلما أزداد معرفة ووعيًا ، إن الديموقراطية هي شـأن جماهـيري ، والجماهير هي حالة صيرورة وتغير ، ولكن النظيرة هي نظرية شعبيـة ، والشعب هو هذا المطلق ، الذي تحقق والذي يتحقق والذي سوف يتحقق ، ومن ثم وبهذا المنهج الثوري العلمي لا يمكن أن يحقق المطلق في هذه الآن المكانية الزمانية ، وإن كانت هذه الآن هي بعض حركة التاريخ دون قطيعة أو انقطاع ، إننا لا نبرر الأخطاء ، ولكننا بأسلوب الطبيب نبحث عن العلل والأسباب من أجل تجاوزها ، مع إدراكنا أن الكتاب يفترض الحكمة . إن الحكمة هي هذا الوعي بالمقادير والحسابات ، فالطبيب كما هو الفيلسوف كما هو المناضل الثوري هم حكما لأنهم يدركون هذا الواقـع ، إنهم وإن انفعلـوا ، فإنهم يقومون بالفعل الثوري من اجل إحداث التغيير ، إنهم لا يكتفون بترديد حقيقة أن في النظرية الحل ، لأنهم يدركون أن لأي مفهوم ما صدق ، وأن الماصدق هو الواقع الذي يؤكد الحقيقة ولكنه ليس الحقيقة ، فالواقع يقع ضمن شرائط واقعية قد تضع المشروع في ظروف غير إرادية ، إن المسؤولية إنما تتحدد ضمن الوسع ، وأي رد فعل ، أو عمل غـير إرادي ، فإنه قد يبقـى ضـرورة لحفظ الوجود ولكنه لا يحسب ضمن مشروع الثورة الذي هـو مشـروع كينونة ، فالثوريون قد يضطرون في مخمصة ، ولكنهم لا يلبـثون أن يتجـاوزوها ، دليلهم في ذلك الكتاب ، وأسلوبهم في ذلك الحكمة ، إن البنوة هي التي تضع هذا الكتاب وهذه الحكمة ضمن هذه الحالة الإيمانية التي تجعل من المشروع الثوري ممكنًا ، وحالة إمكان ، فتجتاز بذلك وضع السكـون والكمـون ، إن هذه الإشكاليات تحتاج بالضرورة إلى قراءات مستمرة تربط النظرية الجماهيرية مصطلحاتها ومفاهيمها بهذا الماصدق ، مع مراعاة أن النظرية الجماهيرية هي نظرية للحقيقة ، تستغرق الواقع ولكن الواقع لا يستغرقها ، لا تقفز فوق الواقع ، ولكن الواقع لا يأسرها ، إن الرسالة الثورية باعتبارها مشروعًا للحرية ، من شأنها أن ترفع الإصر والأغلال ، وأن تعطي الجماهير الثقة في نفسها كي تتقدم ، وأن المنجز الثوري هو ما يؤكد نجاح المشروع الثوري ، كما أن العجز على إنجاح المشروع الثوري لا يحول دون نجاعة الحل الذي تقدمه النظرية الثورية ، وإن الاستغراق في الواقع ، لا يقود إلا إلى الشك والإلحاد ، وربما إلى التراجع في الماضي أو القفز في الهواء في شطحات صوفية عدمية ، وهذه كلها يحول منهج التفكير الثوري دون الإصابـة بها . أطروحات غير ثورية : 1- الثورة والدولة : ضمن إشكاليات منهج التفكير القديمة المتجددة القول بالثنوية ، والقول بالثنوية ، أو القول بالتكثر بعامة سيؤدي كما أشرنا في المقدمة إلى موقف ثلاث ، إما السحق ، أي سحق أحد الطرفين للآخر ، أو الفصل ، أو التركيب ضمن أطروحة الصراع ، ويلاحظ أن هذه كلها تأتي نتاج نـزعات سببها دوافع نفسية من القلق والبحث عن الوحدة ، ومن ثم كانت كل النظريات السابقة تتجه هذا الاتجاه ، ولقد وقع بعض المثقفين الثوريين في المدرسة الجماهيريـة ، وبتأثير هذا الميراث الفكري والثقافي إلى التماهي مع هذه الأطروحات والقول بثنوية الثورة والدولة ، أي أن الدولة وضعت في مقابل الثورة ، ومن ثم برز اتجاهان : اتجاه يقول بالانتصار للثورة ، وآخر يقول بالانتصار للدولة ، وهنا نذكر بتلك الأزمة الحادة التي تمت ضمن الخلاف الفكري والعقائدي بين الماركسيين ، وموقف تروتسكي ، من قيام الدولة ، وقوله بالثورة الدائمة ، واعتبار أن قيام الدولة هو بمثابة عملية غدر للثورة حيث تحدث بوضوح عن الثورة المغدورة ، كما أعتبر غولاة الماركسيين أن مراعاة عامل الزمن في تطبيق الماركسية خيانة وخروج عن الإيديولوجية الماركسية ، حيث تم اتهام البعض بالخونة مثل اتهامهم كاوتسكي ، وكروبوتكين ، وكذلك الموقف الذي اتخذته روزا لوكسمبورغ ، من الإصلاح ، حيث اتهمت دعاة الإصلاحية بخطأ المنهج والأسلوب ، وعرضت رأيها في مطارحتها المشهورة ( إصلاح أم ثورة ) ، وقد اعتبر الحرفيون والدوغماتيون من الماركسيين أن أي حديث عن التغيير المرحلي ، هو خيانة ، بالمقابل تحمس (الستالينيون) لمشروع الدولة ، ومن ثم أدت هذه الثنائية بين الحرفية والتحرفية ، إلى انهيار المؤسسة الماركسية ، وإن كان هذا ليس أحد الأسباب ، فقد لعبت الثنوية دورًا سلبيًا في الفكر الماركسي ، إذ على الرغم من أن الليبرالية والماركسية هما من مدرسة مادية واحدة ، وأن العلاقة بينهما هي علاقة فعل ورد فعل ، علاقة تفكيكية وفردانية في الليبرالية ، وعلاقة تركيب وشمولية في النظرية الجماعية الماركسية ، الأولى تنتصر للفرد ، وترى الجماعة هي مركب من عناصر مادية فردية متنافرة ، كجماعة القطيع تجمعها المنافع البيولوجية ، حيث انعدمت حقيقة كينونة الانسان وتحول الإنسـان إلى مخلوق بيولوجي يتحـرك بدوافـع الغـرائز ، ويسلك ضمـن الارتباط الشرطي ، والدوافع اللاشعورية اللإرادية ، وبالأحرى تحول الإنسان إلى بضاعة في السوق ، ورقم ضمن أرقام البورصة ، تحولت الماركسية بمقابل إلى كلية شموليـة ، فاعتبرت هذا الكل ، أو هذا العام هو الهدف ، أي أنها قامت بإلغاء الوجود الإنساني ، والكينونة الإنسانية معًا ، وبذلك فإن الماركسية مثلها مثل الليبرالية عاشت وتعيش أزمة فلسفية فكرية أساسها هذه الأحادية في التفكير . إن النظرية الجماهيرية تختلف عن هذه الأطروحات تمامًا ، فهي تنظر إلى الدولة باعتبارها تمظهرًا للنظرية ، فالعلاقة بين النظرية والدولة ، هي علاقة الرأس ببقية أعضاء الجسد ، فالجسد هو الذي تتمظهر من خلاله الفكرة ، وتعكس أفعاله وعيه وإرادته ، والحركة فيه مظهر هذا الفعل ومظهر الحياة ، أي أن النظرية الجماهيرية تنظر إلى المكون الاجتماعي باعتباره جسدًا حيًا واعيًا وفاعلاً ومريدًا والعلاقة فيه علاقة عضوية ، ومن المفترض أن الدولة حالة صيرورة ، أي أنها قابلة للتغير في مستوى الأداء حسب المعطيات الموضوعية للمشروع الذي تحدد ملامحه وأهدافه وغاياته النظرية الجماهيرية ، إلا أن ما يجري هو علـى خـلاف ذلك تمامًا ، إذ تكرست كما أشرت هذه الثنوية بين الثورة والدولة ، وأمسينا نقترب من نفس الإشكاليات التي أوجدت الأزمة الماركسية ، وما لم يتم تحديد العلاقة بين الثورة باعتبارها منهج تفكير وبين النظرية الثورية باعتبارها الدليل والمعيارية وبين الدولة باعتبارها أداة التنفيذ وتمظهـر هـذه النظريـة ، فإن الأزمة لا شك قادمة ، وأن الانتصار سيكون للدولة ، لأنها تتعامل مع الحاجات البيولوجية الأساسية ، وتتحول النظرية الجماهيرية إلى يوتوبيا غير قابلة للتطبيق ، كما يقول أنصار الدولة ، وملامح ذلك ما كان يتم في التصعيد ، من اهتمام الجماهير بتصعيد اللجان الشعبية ، إلى حد الاقتتال ، بل والمفاضلة بين هذه اللجان وازدياد حدة الصراع والاقتتال حول اللجان الموكولة بالخدمات ، وحتى هذه على مستويات ،في حين تعزف الجماهير عن حضور المؤتمرات الشعبية ، وإن كانت النتيجة هي هزيمة المشروع الثوري نظرية ودولة معًا . 2- الإصلاح والثورة : إن الثورة هي منهج تفكير ، ومنهج تفكـير تقدمي ، ومن ثم فإن من يرفض الثورة يرفض هذا المنهج الثوري والتقدمي ، ومن ثم يعادي الحياة وقانونها الذي لا يقبل بالتوقف والسكون والتراجع ، وتمظهر الثورة في هذا التقدم المذهل بوسائل المواصلات والاتصالات ، والرغبة في اختصار الزمان والمكان وصلاً إلى الأهداف ، حتى أن الوصف بالثورة يطلق علـى ثورة المواصلات والاتصـالات ، وثـورة المعلومـات ، والثورة الصناعية ، وهكذا ، والنظرية الثورية هي تلكم النظرية التي تضع الجماهير ضمن هذا المنهج ، فيحدد على أساسها المشروع والأهداف والوسائل والأدوات ، مع القبول بالصيرورة وإمكانيات التغير والتغيير فـي الوسـائل والأدوات والأساليب ، فالثورة ليست محض دعوة إصلاحيـة بل هـي عمليـة تغيير مستمر ، ومن ثم كانت مهمة الإصلاحيين كمهمة الأنبياء هي محض دعوة للإصلاح دون العمل على إحداث التغيير ، أو الخوض في معركة التغيير ، وظل دورهم دور هؤلاء الدعاة الذين يسعون إلى الإصلاح ، لقد طورت النظرية الجماهيرية هذا المفهوم الدعوي من خلال حركة اللجان الثورية التي هي بالإضافة إلى الدعوة تقوم بالتحريض ، والتحريض هو غير الدعوة ، كما تقوم بالدفاع عن الثورة ، أي عن النظرية الثورية ومنهج التفكير الثوري ، وأعضاء حركة اللجان الثورية هم ضمن المجتمع الجماهيري باعتبارهم بعضه ، إلا أن معطيات الموضوعية قد أخرجت هذه الحركة عن هذا الدور ، الأمر الذي يقتضي التبوء له ، ومن ثم فإن الإصلاح ضمن المشروع الثوري يظل ضرورة باستمـرار ، أي ضمـن المنجز ، ولكن المشروع الثـوري مشـروع مستمـر بحكـم طبيعة الحياة نفسها ، ووقوف بعض الثوريين للإصلاح وضد الدولة بالمفهوم الجماهيري يعبر عن قصور في الفهم ، وربما يعكس شخصانية ، ودفاعًا عن النفس أكثر منه دفاعًا عن النظرية الجماهيرية والمشروع الثوري . 3- الحرية والديموقراطية : يتوهم البعض أن الحرية هي الديموقراطية في حين أن العلاقة بين الحرية والديموقراطية هي علاقة بين المعنى المطلـق ، أو هـذا النظري ، وبين التمظهر ضمن المحدود المكاني والإنساني والزماني ، وإذا وظفنا المفهوم البياني ، فإن العلاقة بين الديمقراطية والحرية ، هي العلاقة الجدلية بين المنطق والبيان ، فالديمقراطية حالة منطق أي حالة قواعد وقوانين والجماهير في المؤتمرات الشعبية وضعها كالهيئة القضائية في المحكمة ، فهي تقوم الخطأ ، كما أنها تفتح المجال أمام مشروع الحرية والإبداع ، دون انفلات ، وتمامًا مثل المحكمة لا يمكن إدخال العلاقات الطبيعية خارج المؤتمر كالعلاقات الاجتماعية داخـل المؤتمر ، فذلك بمثابة إدخال هذه العلاقات إلى قاعة المحكمة ، إن المؤتمر الشعبي هو اتخاذ قرار حقوقي قانوني ، يأتي بعد المداولة ، إذ لا حكم إلا بعد المداولة ، كما أن المرجعيات والخبرة هي المقدمة دائمًا عند اتخاذ القرار ، وبالضرورة أن تصاغ هذه القرارات صياغة منطقية قانونية وليست صياغة إنشائية ، فالجملة الإنشائية جملة لا يمكن الحكم عليها بالصواب والخطأ ، لأنها جملة بيانية ، في حين أن الحكم خاضع للمنطق ، ومن ثم صيغة قرارات المؤتمرات متخصصون في محاضر الجلسات وأن يتم إعدادهم كإعداد الهيئة القضائية وكتاب الجلسات ، كما تتحول أمانة مؤتمر الشعب العام كما هو المفترض إلى لجنة عليا للصياغة القانونية ، وأن تراعى في ذلك أحدث الوسائل التقنية والعلمية ، والحؤول دون أن تتحول أمانة مؤتمر الشعب العام أو أي أمانة للمؤتمر أو الكمون إلى قاض ، أي لا يجب أن يتحول كاتب الجلسة إلى قاض . 4- الرقابة الشعبية : إن ما يكرس ازدواجية الثورة والدولة ، هو غياب الرقابة الشعبية ، أو اقتصار دورها على الرقابة الإدارية والمالية ، إن اللجنة الشعبية للرقابة يجب أن تتحول إلى لجنة ضبطية تحول دون تجاوز قرارات المؤتمرات الشعبية ، إذ بالإضافة إلى دروها المعروف يكون من صلاحيتها إبطال أي قرار قد يصدر عن اللجنة الشعبية عامة مجتمعة أو عن أي لجنة شعبية عامة قطاعية ، وإيقافه الفوري ، وتحويل أي مسؤول عن اتخاذ هذا القرار على التحقيـق ، وبذلك تتكرس قوة القرار الجماهيري ، كما أن من دورها أن لا تتحول اللجان الشعبية التنفيذية إلى لجان قرارات ، بدل أن تكون لجانًا للإجراءات . 5- تداول السلطة : هذا المصطلح نشأ نتيجة اللوغوس التركيبي في الأشكال التقليدية ، فبعد أن كانت السلطة والسلطان في يد حاكم واحد ، أو حزب واحد ، تم البحث عن شكل توفيقي وتلفيقي ، بأن تم تقسيم السلطة إلى ثالوث ، تشريعي ، وتنفيذي ، وقضائي ، والخاسر الوحيد في كل هؤلاء هم الجماهير ، الديموقراطية الحقيقة ، بل تحولت الجماهير إلى ما هو أشبه بالمركوب الذي يتداول هؤلاء السلطويون ركوبه واعتلاء ظهره ، من خلال لعبة الانتخابات ، إن النظرية الجماهيرية جعلت المداولة هي مداولة أراء داخل المؤتمر الشعبي ، إذ لا حكم إلا بعد التداول ، فلا تجزئة في السلطة ، إذ الجسد الاجتماعي الجماهيري هو جسد واحد العلاقة فيه علاقة عضوية طبيعية ، وليست علاقة اصطناعية تركيبية ، قابلة للتفكيك ، كما هو في هذه الإشكال التقليدية التي تنظر إلى الانسان باعتباره مادة قابلة للتشكيل والتأطير ، ومن ثم فإن المداولة هي حالة صيرورة ، ولكنها صيرورة ضمن سلطة الجماهير ، وبذلك تكتسب قراراتها طابع هذه التداولية ، والمرونة ، والقابلية للتغيير ، فالتقنين ليس للفكر بل هو تقنين للإجراءات ، وتحول الفكر إلى قوانين هو ما يحول النظرية إلى أيديولوجية ، والحركة إلى سكون ، ويسمح بذلك بالدوغماتية ، ومن ثم الحكم على مشروع الثورة بالموت . 6- الشعب والجماهير : الوهم المفهومي والمصطلحي يجعل الشعب هم الجماهير ، وهذا في نظري خطأ فادح ، فالنظرية الجماهيرية تتحدث عن السلطة الشعبية ، إن الشعب هو المطلق ، هو الذي يتحقق عبر حركة التاريخ ومن ثم فالجماهير هي بعض الشعب ، وهي تمظهر للشعب ، ولكنها ليست الحقيقة الشعبية الكاملة المتجسدة في هذا المحدود الإنساني الزماني المكاني ، ومن ثم تكتسب النظرية الجماهيرية حيويتها ومرونتها وصيرورتها ، إن توهم الجماهير على أنها الشعب سيقود بالضرورة إلى اعتبار البعض هو الكل ، ومن ثم تتوقف مسيرة حركة الجماهير والتاريخ ، إن الجماهير الليبية هي حالة صيرورة ، وحالة امتداد واستخلاف ، ومن ثم فإن النظرية الجماهيرية هي بهذا المفهوم ، وأي ظن أنه بالامكان تحقق الشعبي في المحدود الجماهيري لا يؤدي إلى مغالطة وقد تذهب بالمشروع والنظرية معًا . 7- صراع الأجيال : هذه مغالطة أخرى سببها منهج التفكير غير الجماهيري ، فالنظرية الجماهيرية هي نظرية إنسانية ، والإنسان مشروع للتقدم والكمال ، وكما أن الانسان الفرد لا يمكن أن يتحول إلى مطلق بل يمتد من خلال أبناءه ومن خلال ما يقوم به من أعمال صالحة ، فإن الجماهير تمتد عبر هذه الصيرورة وضمن المشروع الجماهيري عبر الأجيال ، فهو مشروع للتقدم والكمال ، كالمبنى يقوم على أرضية ، وعلى أسس ، ولكن هذا المبنى مشروع منفتح على الكمال والاستكمال ، إن الحياة لا تبدأ على وجه الأرض من جديد ، ولكنها تبقى تأتي كل يوم بالجديد ، وإن قانون الاستخلاف ليس إلغاءً للنسب ، ولكنه امتداد له ، والعلاقة لا تتم ضمن الصراع ، إذ الصراع إنهاء للعلاقة ، فالعلاقة هي عملية تواصل ، وعملية مشروع للولادة متجدد ، ولو أردنا أن نستلهم القصص الديني ، فإن رفع قواعد البيت ، كان من إبراهيم وإسماعيل ، إبراهيم الذي يمتلك الخبرة ، وإسماعيل الذي يمتلك القدرة ، أي العلاقة بين الأب والابن ، علاقة النسب والاستخلاف ، وتلك هي قصة التاريخ . 8- التصعيد ، الترشيح ، الاختيار : من الإشكاليات التي تواجه المشروع الثوري هو عدم التدقيق في مفاهيم المصطلحات ، وعدم التدقيق هذا يؤدي إلى نتائج مضرة بما صدق هذا المفهوم ، ففكرة الترشيح في الإشكال التقليدية ، تعتمد على أن الجماهير كتلة ملوثة ، ويكون حكامها بمثابة عملية ترشيح لاستخراج هذا النقي والصافي ، وكما نعلم أن الترشيح هو مصطلح فيزيائي يتم استعارته وفي ذهن الذين يستخدمون هذا المفهوم الفيزيائي الذي ينقل الى عملية الترشيح والاصطفاء والانتخاب ، في حين أن التصعيد هو عملية صعود لهذا الشخص الطبيعي الذي يتحول إلى شخص اعتباري ، ولو راعينا المصطلح العربي لرأينا أن هذا المصطلح يحوي مشقة كبيرة في عملية التصيعد نفسها أي في مسؤولية الجماهير على التصعيد وفي المسؤولية التي تلقي على المصعد ، الذي هو بمثابة هذا المصعد بسواعد الجماهير ، ولوتخلت عليه الجماهير لسقط ، ومن ثم يأتي مفهوم الاسقاط في القاموس الجماهيري ، كما يأتي مفهوم الطبيعي ، والاعتباري ، فالاعتبارية ليست إلغاءً للطبيعية ، بل إنها تكّون بكل هذه الطبيعيات في هذه الاعتبارية ، ويكون الشخص الطبيعي لهذه الاعتبارية منظور إليه على أنه يشخص هذه الاعتبارية ، ومن هنا تحدد المسؤولية الجماهيرية ، وهذا بخلاف الشخصانية التي يتوهم فيها الطبيعي أنه قد تحول بالفعل حسب التصور الحلولي إلى كل المتأله يبتلع الجماهير في جوفه ، فتتضخم الأنا ، ويتم تغييب الجماهير ، والنيابة عنها كما هو في النظام النيابي التمثيل ، إلا أن الاشكالية التي تواجهنا أن مفهوم التصعيد لم يتم استيعابه بعد ، بل يتم تفريغه من محتواه ويحول إلى ( كلاشيه ) ، أو كلمة حق يراد بها باطل ، كما هو دائمًا في ديموغوجيا ما يطلق عليه بالجملة الثورية ، وأخطر ما يتعرض إليه المصطلح الجماهيري هو هذا التـزييف لمفهومه ، كذلك التـزييف المتعمد الذي يحول الخدمات إلى إنتاج ، فيطلق على السائق والغفير لقب المنتج ، وعلى عملية الخدمات على أنها عملية إنتاجية ، وعلى توزيع الثروة الريعية عل أنه عملية اشتراكية ، في حين أن الاشتراكية تؤسس على الاشتراك في الإنتاج ، فلا اشتراكية بلا انتاج ، وهزيمة الخطاب الاشتراكي ليس في هزيمة النظرية الاشتراكية ، بل في هزيمة وفشل العملية الإنتاجية ، ومن ثم يتم التزييف الشكلي ، ضمن خداع نفسي سيكولوجي ، وتخسر النظرية الجماهيرية اشتراكيتها ، بسبب هذا التزييف المتعمد والعجز في العملية الاشتراكية الانتاجية. 9- المساواة والعدل : من ضمن المصطلحات التي يكثر استخدامها مصطلح المساواة ، حتى أن المساواة تتحول إلى مساواة شكلية غير مؤسسة على العدل الوظيفي ، ولو قبلنا بمثال الجسد الاجتماعي فإن كل عضو فيه يؤدي وظيفة ، واختلاف الوظائف لا يلغي صفة العضوية على كل عضو ، مثلما لا تلغى صفة الإنسانية على كل عضو في المجتمع الجماهيري ، فالإنسانية صفة كلية ، ولكن هذه الكلية تتساوى في كل أجزائها ، وإن كنا نفضل في أعضائها ، من خلال الوظيفة ، فالعين اليمنى لأنها تؤدي وظيفة هي ذات وظيفة العين اليسرى فإنها تتساوى معها وهذه المساواة مؤسسة على العدل ، فلو أختلت هذه المساواة القائمة على العدل الوظيفي لحدث تشوه في الوجه ، ولكن العين لا تتساوى مع الأذن ، لأن وظيفة الأذن هي غير وظيفة العين ، وأي محاولة لهذه المساواة الحسابية ستؤثر في هذه العلاقة الهندسية ، ومن ثم تحدث هذا التشوه الخِلقي والخُلقي معًا ، إن كل عضو في الجسد يؤدي وظيفة ، ومن اكتمال هذه الوظائف يكتمل الجسد ، كما هو الجسد البشري ، وهذا ما يفرق بين العلاقة العضوية الوظيفية في المجتمع الجماهيري المؤسسة العدل ومقياس الوظيفة ، وبين التركيبية والتفكيكية في النظريات التقليدية القديمة ، التي سمحت بالشخصانية والتقسيم الطبقي والتمايز العرقي والاحتكام إلى قواعد ظالمة تجافي العدل ، وتاريخ النضال والكفاح هو تاريخ من أجل العدل ، وليس من أجل المساواة بمفهومها الحسابي ، وهو الذي أحدث واحدة من اكبر أزمات الشمولية الماركسية ، والذي قتل الإبداع والتفوق ، وقتل الحوافز الإنسانية ، وألقى بالإنسان في لجة هذه العدمية الشمولية ، الأمر الذي دفع الانسان في إطار رد الفعل إلى البحث عن سبيل تفكيكي للخروج من الشمولية والكلية . إن ما تقدم هو توصيفات ومقترحات ، وإن كانت في حاجة إلى مزيد من التعميق على مستوى المفاهيم وعلى مستوى الماصدقات ، وعلى مستوى منهج التفكير ، ومعرفة الأبعاد بين النظرية الثورية وبين المشروع الجماهيري ، وأهمية الأدوات والأساليب والوسائل ومعطيات المكان والزمان للنهوض بهذا المشروع ، وتبقى الحقيقة أن المطلق لا يتحقق بالكامل في المحدود والآني ، وأن نظرية سلطة الشعب لا يمكن أن تتحقق في محدود جماهيري ، بل إن هذا المحدود الجماهيري يشكل مقاربة نحو الكمال الشعبي ، وأن المشروع الجماهيري يتحقق بمعطيات المشروع ، أي مشروع ، والفرق بين المشروع الجماهيري والثوري عن غيره من المشاريع هو فرق في الأفكار والأطروحات التي تؤسس عليها هذه النظرية وفي الأهداف وفي الوسائل والأدوات والاساليب ، مع التأكيد على أن نجاعة الحلول غير نجاح المشروع ، فنجاح المشروع يرتبط كما أشرت بشرائط وقواعد المشروع ، المعامل الموضوعي الذي هو الوعي والإرادة والتفاعل بين معطيات المشروع ، ثم الأهداف الواضحة والثورية في الوصول إلى هذه الأهداف من خلال التطور في الوسائل والأدوات والأساليب ، إنها الكتاب ، والحكمة ، والنبوة ، التي هي شرائط كل مشروع رسالي ، وتبقى الصلاحية هي صلاحية الرسالة ، وليست صلاحية الناس ، وقولنا إن هذه الرسالة صالحة لكل زمان ومكان يقتضي أن كل ناس في كل زمان ومكان يجب أن يكونوا صالحين لزمانهم ومكانهم ، وليسوا لكل زمان ومكان ، مع العلم ان مفهوم الصلاحية يفقد قيمته إذا لم يكن هذا البعد بالامتداد دون قطع أو قطيعة .
|
![]() |