| حركة اللجان الثورية هي حركة ثورية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب |
![]() |
|
نشاطات ثقافية لاكاديمية الفكر الجماهيري |
|
صور الندوة |
ورقات العمـل |
|||||||
|
||||||||
|
عنوان المحاضرة : الحركة الشعرية في الجماهيرية العظمى الأستاد المحاضر : الدكتور / قريرة زرقون نصر بتاريخ : 10/7/2007 |
|
أيها السيداتُ والسادةُ أحييكم في هذه الأمسيةِ المباركةِ المتكررة كما تعلمون في مثل هذا اليوم من كل أسبوع، والمتنوعة بزخمها الثقافي متعدد المشارب و الصنوف، ولعل محاضرتي هذه تكمل ركنا من دهاليزِِ المعرفةِ، إذا صح التعبير. إنها حول الشعرِ الليبي ، ثم نحاول أن نذيلها بقراءات في الشعر العربي تتناغم مع الشعر الشعبي . فالشعر الليبي عرفناه منذ ما يقرب من ألفٍ وأربعُمائةِ سنةٍ خلت ، ولم نقف قبل هذا التاريخ على أي نصوص مكتوبة فيه ، والشعرُ الليبي كما تعرفون هو حَلقةٌ من حلقاتِ الشعر العربي ككل. وبالتالي لا نقول الشعر الليبي بل نقول الشعرَ العربي في ليبيا ، ولعل من بدايته تلك النصوص التي رصدناها للشعارِ عبد الحميدِ بن أبي بِركات بنِ أبي الدنيا الذي مات سنة 606ه، إذ يقول:
طُرقُ السلامةِ والفلاح قناعةٌ ولُزومُ بيتٍ بالتوحش مُؤنس يكفيهِ أنسًا أن يكون أنيَسُهُ أيُ الكتابِ ونورهِ في الحُندُس كما رصدنا في البداياتِ أبياتَ الشاعرِ علي بنِ أبي إسحاق الوداني :
من يشتري مني النهارَ بليلةٍ لا فرقَ بين نُجُومِهِا وصِحَابي دارت على فلكِ الزمان ونحن قد دُرنا على فلكٍ من الآدابِ ودنا الصباحُ ولا أتى وكأنهُ شيبٌ أطلَ على سوادِ شبابِ إذا حاولنا تفصيلَ القولِ وجلب النماذج وسرد الأسماء فإن الحديث يطول في حياة ليبيا الأدبية التي امتدت من سنة 643 ه يوم عرفت الفتح الإسلامي ، وبين سنة 1551م يوم أصبحت ولايةً عثمانية. فليبيا خلال تلك الفترةِ خطت خطواتٍ كبيرةً في مجال العلوم الأدبية ، وازدهرت في ربوعها الفنونُ ، الأمر الذي جعلها معبرَ المسافرين من الشرق إلى الغرب وبالعكس ، فكانت الفتوحات الإسلامية في بداية الأمر ، ثم نكبة الأندلس سنة 1492م التي جعلتها ممرً للأدباء الفارين عَقِبَ هذه النكبة ، رحلات الحجيج من الأندلس ومراكش كما تسمى في ذلك الوقت والبلاد المجاورة. ونضيفُ نقطة ً أسهمت في تعميق الآداب في ليبيا وهي هجرةُ قبائلِ بني سليم وبني هلال من الجزيرِة العربيةِ في عهد المستنصر الفاطمي خلال القرن الحادي عشر الميلادي. وبالنظر إلى هذه العواملِ مجتمعة أصبحت ليبيا مركزاً من مراكزِ الثقافةِ العربيةِ في شمال إفريقيا. ولكن عندما حل الأتراك بها تغير الحال أصبح السابقُ في اضمحلال واختل الميزانُ، وبدأ يدب الركودُ في تلك الأوطان ومنها ليبيا ، إذ لم يكن لولاة الأتراك همٌ غير تثبيت نفوذهم واستدرار المالِ بأية وسيلة. استمر الحال على هذا المنوالِ بركوده وجمودهِ حتى كادت الظلمةُ أن تعم لولا بعضُ الإضاءات المتمثلة في الزوايا والمدارس الأهلية والمساجد وحلقات الدروس، ومن الزوايا التي كان دورها متميزًا في الإبقاء على نوع التعليم: زاوية الدوكالي، بمسلاته ، ومدرسة ميزران بمدينة طرابلس والمعهد الأسمري بزليتن، وزواية الأبشات ، ومدرسة الزروق بمصراته، ومدرستا أحمد باشا وعثمان باشا بطرابلس. فهذه الصروح العلمية حافظت على الرغم مِن قلتها على الهُويةِ العربيةِ الإسلامية. وإذا ما تقدمنا قليلا في هذه الفترةِ المظلمةِ في تاريخ الجماهيرية الأدبي لنحطَ في القرنِ السابعِ عشر ، فسنجد أن الإضاءاتِ لا تنقطع ، فيظهر بين الحين والآخر شاعرٌ ، كما هو الحال مع الشاعر البهلول صاحبِ تخميس قصيدة العياضية ، التي مطلعا: أحِبةُ قلبي عللُوني بنظرةٍ فدائي جفاكم والوصالُ دوائي وقد خمسها البهلول إذ قال :
أذُوبُ اشتياقاً والفؤادُ بحسرةٍ وفي طي أحشائي توقدُ جمرةٍ متى ترجع الأحبابُ من طولِ سفرة أحِبُة قلبي عللوني بنظرة
وفي القرن التاسع عشر نجد تلك الإضاءات تزداد و تتكشف الظلمةُ ، بفضل بعض الشعراء ، نذكر منهم على سبيل المثال الشاَعر إبراهيم باكير ، والذي نرصدُ من شعره:
يا قُضاةَ الحُبِ إني مُغرمٌ والعشقُ فني لي بــ بابِ البحرِ ظبي مائسُ حُلوُ التثني فائقُ الحسنِ ولكن طبُعُه يهوي التجني ليثَ شعؤي ما عَرَاهُ بعدَ ذاكَ القُربِ مني حسبكَ اللهُ ، تعالى أيها المعُرضُ عني
وبعيدا عن التفصيلِ وضرب الأمثلة نعبرُ مباشرة على العوامل التي أسهمت في النهضةِ الشعريةِ في العصر الحديث في ليبيا ، والتي تأخرت كثيرا عن مثيلاتها في الوطنِ العربي ، وهي . أولا : الكتاتيب والمساجد وحلقات الدروس المتمثلة في المنارات سالفة الذكر. ثانيا: الرحلات العلمية والصلات الثقافية ، وهي مرور العلماء بليبيا من الشرق إلى الغرب وبالعكس ، ثم الرحلات العلمية التي كان يقوم بها أدباؤها قاصدين الأزهر تارة والزيتونة تارة أخرى ن وفي بعض الأحيان قاصدين تركيا دار الخلاقة. ثالثا: إعلان الدستور العثماني ، الذي شاع فيهم مشاعر الحرية ، خاصة في مجال الصحافة ، حيث انتشرت الصحف وبدأ الأدباءُ والشعراءُ يتعرفون من خلالها على نتاجِ بعضهم البعض. رابعا: الطباعة والصحافة. وهي من العوامل المؤثرة في حركة الشعر الليبي ، إذ ظهرت أعمالُ النقدِ. خامسا: الغزو الإيطالي وهو الذي نبه البنادقَ ثم نبه الأفلاَم فظهرت القصائدُ التي تدعو إلى رفع الهمم والدود عن الوطن . أيهاُ الأعزاءِ إن موضوعَ حركة الشعر في الجماهيرية يحتاج إلى عشرات المحاضرات غير أني أختزله اختزلا شديدا ربما يكون مخلا ، ولكن أستسمحكم عذرا لنصل إلى الاتجاهاتِ في هذا الشعر وهي : أولا- الاتجاه التقليدي الذي ينقسم إلى قسمين: ذروة التقليد ــــــــــــــــــــ والتقليد الحديثة ومن سماتِ ذروة التقليد: الصنعةُ والمبالغة، نماذجِِ شعرها ما قاله الشاعر أحمد الفقيه حسن الجد:
روميةَ بهــــــــــــــرت بتلعيباتها فاقت بحسنِ شمائلِ أخواتها السكرُ في رشفاتها والموتُ في رشقاتها والسحرُ في لحظاتها
إلى أخر الأبيات ، فالتكلفُ واضحٌ والمبالغةُ أوضح. ومن سمات ذروة التقليد أيضا: ارتباط الشعر بالواقعِ ، والسهولة والوضوح ، وتكرار المعاني المطروقة. أما سماتُ مرحلةِ التقليديةِ الحديثة: فأُولها النزعةُ الوطنيةُ ، حيث بدأت تظهر الأشعارُ التي تتنغنى بالوطن ومن سماتِ التقليدية الغزل ، ومن أمثلة ذلك ما رصدناه للشعارِِ أحمد على الشارف ، إذ يقول:
يا بصيراً بأفانينِ الهوى وخبيرًا بأساليبِ التجني راعني بالسحرِ في نظرِتهِ وأراني لفتةَ الظبي الأغنِ
ومن سماتِ التقليديةِ الحديثةِ ، والنزعةُ القصصية ، وقد ظهر الشعر القصصي في ديوان الهادي عرفه ، وبالأخص في قصيدة الراعي ، وفي ديوان أحمد رفيق المهدوي في قصيدة غيث ، وفي ديوان الشارف ، ولولا ضيق الوقت لأوردت نماذجَ من شعر هؤلاء
ومن سماتها ( المدحُ ) ، وشعرُ النبويات والرثاءُ ، ووصفُ المخترعاتِ الحديثة. ثم بدأت الجماهيرية تعرف أنواعا من الشعر الجديد الذي ظهر في أوربا ثم تسرب إلى الوطن العربي ثم إلى بلادنا ............................................. أنه الشعر الذي يتكون من الرومانسية والواقعية والرمزية. والرومانسية نشأت في فرنسا وتطورت في انجلترا ثم ألمانيا ومن علاقتها فكتورهوجو ورسو وشاتوبريان والفريد دي فيني والقائمة طويلة حتى نصل إلى الشاعر الفنسولا صاحب قصيدة البحيرة الشهيرة ثم مصر وصولا إلي المغرب وتونس و ليبيا. فالرومانسيةُ لها سماتٌ ، منها الذاتٌ الفرديةُ ، ومن أمثلة ذلك ما قاله الشاعر الغريق، إبراهيم أسطى عمر :
لست أدري السرَِ في خلقي على هذا الغرار ظامئَ النفسِ إلى الإجرام والغدرُ شعاري دائبًا أسعى وراءَ الفسقِ ليلي ونهاري
ومن سماتِ الرومانسيةِ أيضاً ، الحزنُ والكآبةُ : ومن أمثلةِ ذلك ما قاله شاعرُ الزاهرة:
قلتُ الأمُ وأحزانُ ويأسُ وشرور وشقاءُ وضلالٌ وجنونُ وغرور وأكاذيبُ وظلمُ وسخافات وزور وختامُ الفصلِ لا أدري إلى أينَ المصير
فالشاعرُ هنا حشد أسباب التعاسةِ وجعلها مرادفا لمعنى الحياة ، وقد غلفها بسحابةٍ من الحزنِ واليأسِ ، وهي من أركان الرومانسيةِ الواضحة. كما نرصدُ في الرومانسيةِ الغربةَ ، والعزلة والتغني بالطبيعةِ ، ومن سماتها الكبرى الحب. أما ثاني هذه الاتجاهات فهو الاتجاه الواقعي ، وهناك فرق بين الشعر الواقعي والشعر الاجتماعي . وأهمُ مضامين الشعر الواقعي : - النزعةُ الوطنية وفيه حبُ الوطن ، وهو ما رصدناه في شعر على محمد ألرقيعي ، الذي تأرجحت أشعاره بين الرومانسية والواقعية ، فمن شعره الواقعي : ياحُلوتي شوقي إلى يومٍ جديد لم يخبُ مذ أحببتُ هذا الشعبَ في قلبي لظاه ياحُلوتي من ألفِ آه من عُمقِ أعماقِ الحياه ومن مضامين الواقعية في الجماهيرية أو في الشعَر الليبي الاستغلالُ ، والجهلُ، وإدانة الخنوع ، والتحريض على الثورة ، والصمودُ ، كما نرصد من سماتهِ النزعة الاجتماعية ، وهي: مظاهرُ الفقرِ ، ووضعيةُ المرأةِ في المجتمع ، والنزعةُ القومية ، وفيها الوحدةُ العربيةُ، وحرب 67م ، وهناك النزعةُ الإنسانية ، ومن أعلامِ هذا الاتجاه أي الاتجاه التجديدي الواقعي الشاعرُ حسن محمد صالح صاحبُ ديوان بعد الحرب. أما الاتجاه الرمزي: فقد تمكن وبان في الشعر الليبي الحديث، وظهر جليا من خلال استعماله للرموز الدينية: نحو خطيئة آدم ، وصلب المسيح ، وسفينة نوح ، والنبي يوسف عليه السلام ، والمهدي المنتظر ، وقد تناول الشعراء الليبيون في أشعارهِمِ هذه الرموز كما ظهر في شعر علي الفزاني ، وعلى الخرم ، ، والجيلاني طريبشان ، وعبد الحميد بطاو. وتناول الشعراءُ الليبيون الرموزَ التراثية. كالسيف ، وحرب البسوس ، والحجاج بن يوسف ، الحلاج ، والسندباد . ومن يقرأ دواوين على صدقي عبد القادر ، وراشد الزبير ، والسنوسي حبيب أبو قصيصة يجد ذلك واضحا. كما تناول الشعراءُ الليبيون الرموزَ التاريخية: كعمر المختار ، ودم الخليفة عثمان ، ومقتل الخليفة علي كرم الله وجهه ، ومعركة كربلاء ، وهارون الرشيد ومسرور الجلاد ، وطارق بنَ زياد ، والأندلس. وظهرت تلك الرموز في شعرِ الشلطامي وغيره. أما الرموزُ الأسطورية فقد ظهرت عند خالد زغبية وعلي الفزاني ، والقمودي صالح ، وكانت حول سيزيف ، والعنقاء وغيرهما. وهناك الرموزُ النضالية: كسبارتاكوس ، وجيفارا ، وناظم حكمت ، كلُ هذه النقاط تناولها الشعر الليبي ولولا الإطالةُ لفصلنا القول وأوردنا النماذج. كما تناول الشاعرُ الليبي الرموزَ الطبيعية: كالريح، وتعاقب الفصول ، والليل ، وهو الليل المتغير ، فتارة الليل الرحيم ، وأخرى الحزن والفتك ، والليل المخبر ، والليل الغدر ، وفي بعض الأوقات مناجاة الأحبة. وتناولوا الحجر ، والماء وكيف يتبدل هذا الماء فالماء العرق ، والماء الدمع ، والماء الدم ، والماء المستنقع والبركة ، كما تطرقوا إلى الشعر الجديد ، أو الشعر الحر ،أو المنفلت ، ولا أريدُ الخوض فيه. أما القضايا في الشعر الليبي ككل فهي لا تخرج عن: قضايا ومضامين دينية وأخرى سياسية، وتليها القضايا الاجتماعية، ثم الذاتية. وفي ليبيا ما يقرب من أربعُمائةِ شاعرٍ منهم الأحياءُ والأمواتُ، ومنهم من يرقى إلى مراتبِ الشعراءِ العمالقة، ومنهم من هو دون ذلك بكثير
أيها السادة: كنت قد نبهت في بداية المحاضرة إلى أنني سوف أتناول ُ التناغمَ بين الشعر العربي الفصيح والشعر الشعبي في الجماهيرية ، وها أنا أنفذ ذلك .
أيها الأحبة : لعل محاضرتي هذه من بين المحاضرات التي تعبر عن نمطٍ جديدٍ في ما سوف تثيره ، وهي الأولى التي تلقى في مجال التناغمِ بين الشعر العربي الفصيح والشعر الشعبي ، أقول التناغمَ ولا أقول التأثير، أقول التناغمَ ولا أقول التلاقحَ ، أقول التناغمَ ولا أقول إعادةَ كتابةِ القصيدةِ بطريقة أخرى . والتناغمُ هنا يخص الشعرَ العربي في عمومه ، والأدبَ والشعرَ الشعبي في ليبيا فقط. والشعرُ العربي بالإمكان معرفته كونه يحتوي على قواعدَ ثابتةٍ بالإمكان حفظها ، أما الأدبُ الشعبي يحظ باهتمام الدارسين والأكاديميين ، ولم تتبلور قواعدهُ حتى الآن ، لقلة المتخصصين ، وأنا لا ادعي بأنني متخصصٌ في ذلك ولكن شغفي به جعلني أدقُ أبوابهَ وأفتحُ نوافذهُ ، ومن دواعي اهتمامي به أيضا معرفتي بالبيئةِ التي عشتها وتربيتُ فيها ، تلك المنطقة التي تتوسط الجماهيرية . وانأ في السردِ لا أدعي بأنني سوف أتي على الموضع من كل جوانبهِ في محاضرةٍ بمعنى كلمة المحاضرة ، ولكنها محاولةٌ أتمنى لها النجاحَ كما قلتُ سلفاً ، كما أتمنى أن تكونَ فاتحةَ طريقٍ لمن أرادا أن يسلكَ هذا النهج. ومما شجعني أيضا ، ما رأيته أيام الطلب ، أو أيام الدراسة في المغرب من بحوثٍ في هذا الاتجاه ، فقد وقفتُ على دراساتٍ في هذا المجال ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه الدكتور عباس الجراري عن الأدبِ الملحون في كتابهِ الشهير بقصيدة الملحون في المغرب ، كما أطلعتُ على عدةِ رسائلَ جامعيةٍ في هذا الصدد ، منها ما تناول الأدبَ في الصحراءِ وبالأخص في موريتانيا ، أضف إلى ذلك الدراسات التي تناولت الشعرَ النبطي في الجزيرة العربية ، وحتى في مصر ، هنالك من كتب باللهجة المصرية الدارجة . أما في ليبيا فلم نرصد أي دراسةٍ علميةٍ تتناول الشعر الشعبي والأدب الشعبي مطلقا. ولولا بعض الكتب التي لا تتجاوز عددُها عددَ أصابع اليدِ لما وجدنا ما نتكي عليه في سردنا حول هذا الموضوع ، وفي اعتقاَدي وتقديري يجب أن يوجه الطلابَ إلى هذا الموروث الثقافي الضخم ، دراسةً وتوثيقا ، خاصة وإن الفترة التي مرت بها ليبيا من سنة 1551م ، حتى بداية القرن التاسعٍ عشر – وهي الفترة التي ألحقت فيها بالولاية العثمانية – شهدت ركودا ثقافياً لا مثيل له في التاريخ ، حيث انتشرت الأميةُ وضربت إطنابها : تجدون ذلك مفصلاً في كتاب مناج أو في برقية الاثالب نذكر هنا ما قام به أحدُ شيوخِ البدوِ في منطقة الجبل الأخضر بشأن المحج أي الكعبة ، وصوم رمضانَ ، وما ورد في من يقرأ رسالة يتم الشرح؟ تعلمون أن المنطقة الشرقية من ليبيا ما زالت على عروبتها كون أغلبيةِ سكانها من البدو ، أما المنطقة الغربية من ليبيا فقد اختلطت بالأسبان في فترة من تاريخها ، ثم بفرسان القديس يوحنا اللذين تجمعوا في مالطا، ناهيك عن الإيطاليين ، لذلك حصل نوعٌ من التأثير أثر في اللغة ........، والمنطقةُ الغربية تعتبر حواضرَ إذا جاز التعبير، بينما المنطقة الشرقية بدوًا حتى أننا نجد في بعض الأوقات العنعنة والكشكشة ،،،،،، ثم في الوقت نفسه أن ما تم تأليفه في الأدب الشعبي يفوق عشرات المرات ما ألف في الأدب الفصيح خاصة في مجال الشعر ، لكنه لم يدون ، وهذه مشكلة كبرى ، وأضف إلى ذلك صعوبة كتابته وهي لا شك تحتاج إلى مهاراتٍ فنيةٍ عاليةٍ من حيث الضبطُ والقراءةُ . والبيئة الليبية غنية بالتراث الشعبي ففيها الأمثالُ والحِكمُ والشعرُ وهو الذي يتعدد بدوره من حيث الأشكال والألوان ، فنجد المجرودة ، والشتاوة ، وغناوة العلم ، وضمة القشة ، والطلق ، والألغاز الشعرية ، والتبريج ، وما إلى ذلك ........................ ومما يزيد في تعقيد الشعر الشعبي ويجعله أكثرَ صعوبةً هو إلقاؤه بالألحان والترانيم التي يعصبُ فهمُها . والحقيقة أن الشعر في عمومه هو غناء ، فإذا لم تفهم المعنى يحصل النفورُ على الفورِ ويجب أن يعرف المتلقي أن الشعرَ في ليبيا كُتب بكلمات عربية فصيحة ، تعرضت في بعض الأوقات إلى الزيادات والنقص ، وبعض الأحيان على الدمج بحيث أصبحت الكلمتان في كلمةٍ واحدةٍ ، مثل كيفنك ، واصلها كيف أنت ؟ والشعرُ الشعبي كما قلنا من الكثرةِ بمكان ، وكان نتيجةً لمرحلةِ الانحطاطِ الأدبيٍ التي تعرضت لها ليبيا ، ومن المسلماتِ أن الشعرَ الشعبي قد بلغ درجة من النضجِ في غيابِ دورِ التعليمِ وخاصة قبل منتصف القرن التاسع عشر. ففي هذه الأبيات التي رصدناها للشاعر العربي المعروف جرير من قصيدته الطويلة والتي تعتبر من أروعِ قصائده ، يقول : إن العيونَ التي في طَرفِها حورٌ قـــــــــــتلننا ثم يُحيين قتلانا يصرعنَ ذا اللُب حتى لا حراكَ به وهُنَ أضعفُ خلقِ اللهِ إنسان
وهذان البيتان يتناغمان مع الشعرِ الشعبي في البيتِ التالي: أعيونك بلا تكحيل سود م الله ................ أعلن اللي مسع شكا من عله في البيتِ كل الكلمات واضحةٌ وجليةٌ باستثناء كلمة مسع والتي تعني ما ساعة ، أي أدمجت ما و ساعة فأصبحت مسع. ومن الأبيات الجميلة في الشعرِ ما رصدناه لأبي الأسود الدؤلي ، إذ يقول : فالوجهُ يشرقُ في الظلامِ كأنه بدرٌ منيرٌ والعيونُ نجومُ فقد تناغمَ البيتُ الفصيحُ مع البيتِ الشعبيِ في :
جت خاطمه نتوا عليها ولي شكع خدها ناض الفقي يصلي ففي البيت الفصيح الوجه كالبدرِ ، أما في البيتِ الشعبي فالوجه كالفجرِ ، والدليل على ذلك قيامُ الرجلِ التقي الورع بالشروع ِ في صلاةِ الفجرِ ، ونتج هذا عن اللبس الذي حصل له بموجب الإشعاع من خدِ تلك الفاتنةِ حتى ظن أنه الفجرُ وهو وقتُ الصلاةِ. وهنا يجب الإشارة إلى اشتهار بعض الشعراء العرب بمحبوباتهم ، بشهرة بعضهم بنوع من الشعرِ ، كشهرة الخنساء بالرثاء ، والمجنونِ بليلى، وشهرة الشاعر الأموي عبيد بن الحصين براعي الأبل ، وهو القائل :
وما هَجَرتُكِ حتى قلتُ مُعلنةً لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جملٌ ففي الشعر الشعبي من اشتهر بمثل هذا كالشعار الليبي محمد المهدي أبوزريدة الذي يتغنى بالغماز ، وهو الخال على جبينِ محبو بته ، حتى أصبح الشاعرُ يُعرف به ، وهو القائل
ولربُ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ذرعاً وعند اللهِ منها المخرجُ ضاقت فلما استحكمت حلقاُتها فُرجت وكنتُ أظنها لا تفرجُ
ونفس المعنى نجده في الشعرِ الشعبي، حيث يقول من أراد أن يشد من عزم الرجالِ وقت الضيِق، ووقت اشتداد المعارك:
ما أدومش هك ساعة وأتفك وهناكِ في الشعرِ العربي مالا حصر له في هذا السياق، نذكر على سبيلِ المثال قصيدة يوسف النحوي. اشتدي أزمةُ تنفجري قد آذن ليلُكِ بالــــبلجِ وظلامُ الليل له سرجٌ حتى يغشاه أبو السرجِ والمؤكد عندي أن شعراء الشعر الشعبي لم يطلعوا على الشعرِ الفصيح كونهم يعانون من الأمية التي تعني عدم القراءةِ والكتابةِ، فكيف لهم أن يعرفوا، وبالتالي كيف تأثروا؟ وفي الأبياتِ التي رصدناه للشاعرِ العباس الأحنف ، نجد : كتبتُ كتابي ما أقُيمُ حروفهَ لشدة إعوالي وطول نحيبي أخُطُ وأمحوُ ما خططتُ بعبرةٍ تسُح على القرطاسِ سحَ غُروبِ وهذان البيتان يتناغمان مع مطلعِ قصيدة الطلق في الشعرِ الشعبي في ليبيا ، حيث يقول أحدُ الشعراءِ في المعنى : طول الليل أنخط ونمحا تلفي لمحة نرسم في زولك يا سماحا
فلا اعتقدُ وأنا أجزمُ بذلك أن الشاعر الشعبي أطلع على أبياتِ العباس بن الأحنف، لذلك فهو تناغم ولدته البيئة العربية لا اكثر ولا أقل. ومما اثار انتباهي في الشعرِ الشعبي استخدامه لبعضِ المفردات ِ والكلماتِ التي أصبحت حكرا على القواميسِ والمعاجم ، فالشاعرُ الشعبي قال في هذه الشتاوة :
تجلجلت عين أم أسباق اتجلي ع الخاطر لا ضاق
يعود بنا الشاعر أبوبكر الشبلي :
وعقيلةٍ لاحت بشاطئ نهرها كالشمس طالعةَ لدى آفاقها فكأنها بلقيسَ وافت صرحها لو أنها كشَفت لنا عن ساقها
والإشارة هنا في قصةِ بلقيس مع سيدنا سليمان: قال تعالى ( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لُجة وكشفت عن سياقها ) صدق الله العظيم واللُجة حركةُ الماء في تفسيرِ هذه الآية ، وفي الشتاوة حِركة الريم الذي شبهه الشاعرُ بحركِة محبو بته في خفِتها ورشاقتها . أتظنون أن الشاعرَ الشعبي أطلع على التراثِ الأدبي العربي في بطونِ الكتبِ وهو لا يقرأ ولا يكتب، لا أعتقد ذلك، وإنما هو تناغٌم أنتجته البيئةُ العربيةَ. كم هو رائعٌ الشعرَ الشعبي الليبي وخاصة العاطفي منه وما اكثر العشاق في ليبيا اللذين ابان عنهم الشغر الشعبي كنا نذكرُ أيام الطلبِ والدرس ِ مجنونُ ليلى. ومجنونُ لبنى ، وتوبةُ بن الحُمير والأخيلية ، وكثيرُ عزة ، وجميلُ بثينة ، وعروة بن حزام وعفراء، و نذكرُ عمرو بن عجلان وهند ، وذا الرمة ومية ، ووضاحُ اليمن وأم البنين ، وعمرُ بن أبي ربيعة والثريا ، والعباس وفوز ، واليوم نذكر بجدارة ليبيا والشعر الشعبي وكوكبة من العشاق الأفذاذ وبالعودة – والعودُ أحمدُ كما يقال ، إلى الأدبِ الليبي من خلال أمثال ونكته ، نجد ما ذكر عن جحا ، وبالمناسبة أن جحا ظهر في معظم الثقافات والأمم، قصة جحا و الحماران الحمار المربوط الذي أشبعه ضرباً بينما لم يتعرض للحمار أكل المزروي والماسأ وهنا تتناغم القصة مع ما قاله الشاعرُ النابغة:
أتوعدُ عبداً لم يخنك أمانة وتترك عبدا ظالما وهو ظالعُ حملَتَ علي ذنبه وتركته كذي العرِ يُكوى غيرهُ راتع
أيها السادةُ والسيدات : إن الربط الذي أقوم به يُؤسسُ منحىً جديًدا في الأدبِ الليبي والشعرِ بالأخص ، ويعدُ حلقةً من حلقاتِ دراسة الأدبِ العربي ككل ، ونحاول من خلاِله الخوضَ في هذا المجال بشكلٍ قوي يشجع الباحثين على الخوضِ فيه . و مما رصدناه في الشعرِ الفصيح ، قولُ الشاعر:
يا صاحَ لو كرهت كفي منادمتي لقلتُ إذ كِرهت كفي لها بيني لا أبتغي وصل من لا يبتغي صلتي ولا أبالي حبيباً لا يباليني
وهذا البيت يتناغم مع ما قاله الشاعرُ الشعبي :
انسيهم اللي نسيوك واشقي بكبر بيران غيرهم
ويتناغم مع المثل الشعبي أيضا:
اللي ابدلك بالفول بدله بقشوره كما نرصد في هذ الصدد أبيات الشاعر علي بن جريج ، إذ يقول
لو كنتَ يومَ الوداع شاهدنا وهن يطفين غُله الجدِ لم تر إلا دموع باكيةٍ تسفح من مقلةٍ على خدِ كان تلك الدموع قطرُ ندى يقطرُ من نرجسٍ وردِ وهذا التناغمُ أجادت به قريحة الشاعر الشعبي في ضمة القشة ، إذا قال : لا مال لا فزاعة يا مالا إيخيده يا نهار وداعة وما القيتلك
وهي مطلع قصيدة طويلة لا أرى ضرورة لذكرها. أو كما قال آخر على المنوالِ نفسه :
يا ما بكن لا نظار يوم أوداعة بو صوار غابي في شرار ادراعة فو الله إن هذا التشبية لمعجزةٌ ، وقد فاق ما قاله شاعرُ الفصحي في البيتِ التالي :
يكاد حَبابُ الماءِ يخدش جلدها إذا اغتسلت بالماءِ من رقةِ الجلدِ فحَباب الماء ربما كان ساخنا ، أو قويا فيخدش الجلد ، ولكن أن يفوق لمعان الذراع لمعان الحلي فهذا هو العجب ؟؟؟؟؟؟ وفي مجال التفضيلات التي يوردها الشعراء في الشعرين الفصيح والشعبي نِرصدُ قولَ قيس بن ذريح: إذا عيتها شبهتها البدرَ طالعاً وحسبُك من عيبٍ لها شبهُ البدرِ لقد فُضِلتُ لُبنى على الناسِ مثلما على ألفِ شهرٍ فُضِلَت ليليةُ القدِر وفي الشعر الشعبي قولُ الشاعر: مطرودين الغالي منا موعد لنا كي طردت يادم الجنة فالشاعران يدمجان العاطفي بالديني في الأبياتِ السابقة ، ولكن يا تُرى أيهما أقوى الفصيحُ أم الشعبي ؟؟ ومن الشعرِ العذري الرقيق نقرأ ما قاله كثيرُ عزة:
أيا عزَ لو أشكو الذي قد أصابني إلى ميتٍ في قبـــــــــــــــرِه لبكى ليا ويا عزَ لو أشكو الذي قد أصابني إلى راهــــــــــبٍ في ديرِه لرثى ليا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى جبلٍ صعب الذري لا نحنى ليا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى ثعلبٍ في حُـــجرِه لا نبرى ليا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على مُوثقٍ في قيده لــــــعـــدا ليا والشعر الشعبي الذي تناغم مع هذه الأبيات :
ميت وما دفنوني جنازة ـــ نمشي للعرب ويجوني يأنويرتي
وهي ضمةُ قشةٍ غاية في البلاغةِ والتصوير .
ومن الأمثال الشعبية في ليبيا قولك : فلان يربي اللفعة في كمة :::::: كناية على فعلِ الخيرِ في غيرِ أهله ، وقد ورد في الشعرِ الفصيحِ ما يشيرُ إلى ذلك ، إذا يقول الشاعر : غُذِيتُ بِدرَها ونشأتُ معها فمن أنباك أن أباكَ ذيبُ إذا كان الطباعُ طباعَ سوءٍ فلا أدبٌ يفيدُ ولا أديبُ
وفي الشعرِ الفصيحِ ما يشيرُ التعقيدِ المعنوي ، وهذا ما رصدناه للشاعرِ العباس بن الأحنفَ إذ يقولَ : سأطُلبُ بُعدَ الدارِ عنكم لتقربوا وتسكبُ عيناي الدموعَ لتجمدا والتعقيد في الشعِر الشعبي أكثر حدةٍ ، وأقوى شكيمةٍ ، وتتاكثرُ فيه الصورُ البلاغيةُُ المركبةُ ، ومنه ما قاله أحدُ الشعراء : تباعد أقرب بالدار عزيز وين ما جاور أصعب فالشاعرُ أبن الأحنف في ظنِه أن الجمودَ هو خلوُ العينِ من البكاءِ ، ولم يخطيِ الشاعر الشعبي حينما قال تباعد أقرب بالدار أما فيما يتعلق بالسوادِ فقد رصدنا ما قاله مسكين الدارمي في لباسِ السواد: فالخمارَ الأسودِ يبين تلك البشرةَ البيضاء ويزيدها جمالاً حتى أنها ذاتُ تأثيرٍ قويٍ على الناسكِ المتعبد الذي لا يتزعزع إيمانهُ ....... والشاعرُ الشعبي يقول: أتنقض بمعنى يلغي توبته وتجعله يعود إلى فجوره. أتنقض بوسابع حجات الها أعدل ويقعد في الصورة واحل.... جميع العالم السيدات أي النساء والفتيات أقول أهبل.... التايب ضل على كتفه ذنبه شايل وتم أدور في الفتوات وهو زاعل اشرط في أثيابه ...................................................... أو كما قال أخر: أعيونك بلا تكحيل سود م الله أعلن اللي مسع شكى من علة ومسع : ما ساعة كما قلنا. كما ورد في شعر أبن الوردي قوله:
غِب وزر غبا تزد حبا فمن أكثرَ الترداد أضناه الملل
يتناغمُ هذا المثلِ الشعبي الليبي ، الذي يقول :
اللي إكثر بجي ـــــــــــــــــــ يرخص أشوي
ومن شعرِ عنترة العبسي :
وقد هتفت في جنح ليلٍ حمامةٌ مغردةٌ تشكو صروفَ زمانِ فقلتُ لها لو كنتِ حزَينــــــــةٍ بكيتِ بدمعِ زائدِ الهمـــــلانِ
أو كما قال في موضعٍ أخرٍ:
وما شاق قلبي في الدجى غير طائر ينوحُ على غُصنٍ رطيبٍ من الرندِ
وهو المعنى نفسه الذي سمعته من الشاعرِ سالم صبرة في قصيدة الطق التي سجلها للإذاعة الليبية في الستينيات:
تاريت حمامة وتشالي:: قالت لك مدة خاطينا ::: قلتلها من كبر أهبالي بالله كيف عرفتينا ::::: قالتلي في ظلالي وأيام الزين وماضينا :::: قلت صحي ناهي المرسالي تمشيله حق اغويلينا :::::::::::::::::::::::::::::: رديت وما ريت الغالي حتى ................................................ ومن الحكاياتِ الواردةِ في الأدبِ الليبي حكايةُ الفأرِ والقط: حيث أتفق الاثنان إنهاء حالة العداء ولكن ......... وهو ما ورد في الشعرِ العربي في الأبياتِ التي تنسبُ إلى ربيعةِ الرقُي ، إذ يقول
أأنت الذي من غيرِ ذنبٍ شتمتنيٍ فقلت متى ذا قال عامَ أولُ فقالت وُلدتُ العامَ بل رَمت غدرةً فدونك كُلني لا هنالك مأكلُ
ولعل في شعرِ الحلاجِ عند قتله ما يتوافق مع الشعرِ الشعبي الليبي ، وخاصة في غناوة العلم ، فهذا الحلاج يقول :
نفسُ المحبِ على الآلام صابرةٌ لعل مُتلفها يوماً يداويها ونظرةٌ منكَ يا سُؤلي ويا أملي أشهى إلى من الدنيا وما فيها
وفي غناوة العلم:
صبرن يا عزيز سنين اللي قبل يوم أيكيدهن وهاك صبر داوي داك أحسن عزاك في غالي إصعب
وهناك في قصيدة الطق المقطع الذي يقول: عندي عين امغير أتضج....... قليلة حظ ..... غلاها لا حودد لا فظ ومن الشعرِ الفصيحِ أيضا ما أطلعنا عليه في كتابِ الأغاني وكتابِ الأمالي للشاعر رسيان العذري ، إذ يقول: لو حز بالسيفِ رأسي في مودتِكم لمرَ يهوي سريعا نحوكم رأسي ولو بلي تحت أطباق الثرى جسدي لكنتُ أبلي وما قلبي لكم ناسي وهو الذي نرصده في الشعرِ العكنسي ، والشعر العكنسي أو العونجي ، أول من قاله في الشعر الليبي الشاعر عبد السلام أبو هديمة العريبي الذي توفي سنة 1893 م ، وهو خروجُ الشاعر عن شطرات اللازمة ، وكأن يقول عن أزرق : زرنقي ، أو دملجي بدلا من دملج ، وطرنزي بدلا من طرز ، وهلم جرا ، وقياسا على ذلك سمى هذا الشعر بالعونجي . ومنه: إن جا يرتشق بالوشام العورجي ..... مملوك قرجي ..... شارب قزازات عند الخمرجي إن جا يرتشق بالوشام المردع ...... شكله مبدع ..... مملوك ف أول تجاريد قدع حصانه إن جا بين خيله يصدع ..... فارس عكنجي ... وأخذ على لعب سوق الطرنجي ومن شعر أربيب اليهودي ....... وأشتهر بـ بو حليقه: بيضا لبست ثوب زرنقي ........ جت ترشنفي ...... حاكم ويراطن بغلنقي بيضا لبست ثوب أزرق ........ جت ترشق ......... قدمها دوبه لرض يطق تخف اللي عقله واثق .......... يتم سلنقي ............ مجروح وجرحه بعشنفي
ورصدنا في شعر أبو غماز : حلو لبست ثوب برنسي ........... ومنها الفقرة التي تقولك ريدي لبست ثوب اعراص ..... العقل اعتاض .... ادردر بين سناربه ناض ........ حدبه بوفه اثنين امراض مرض من كنسي ...... والثاني من نار قبنسي .... ريدي وين تجي مجملها ومعدلها ....... ربي بالزين مكملها ..... حالف لو يوم أنحصلها ..... نعمل ، .... وفيما يتعلق بالأملِ نرصدُ في شعر الطغرائي ، إذ يقول :
أعللُ النفَسَ بالآمالِ أرقَبها ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ والأملُ أصطلح على تسميته في الشعرِ الشعبي الليبي بالرجا ، وهو الرديف نفسه. لذلك قال صاحبُ غناوة العلم :
العين في العذاب إتحمل .... ترجاهم رجا نين يقسموا ترجاهم على مدات .......... العين ما ملاها غيرهم ومن تناغمِ بين الشعرين ما أوردته كتبُ الأدبِ ، حيث نشيرُ هنا إلى أبياتِ أبي علي الأعرابي إذ يقول :
شبهتُ مشيتها بمشِية ظافرٍ يختال بين أسنةٍ وسيوفِ صلفٍ تناهت نفسه في نفسهِ لما انثنى بسنِانه المر عوفِ
ويتوافق هذا مع ما قاله الشاعرُ الشعبي: السمحة لاجت تجلول ..... العين أتضل .... وراها ما تفكر هل السمحة وين تجي بشطارة ...... ومما أطلعنا عليه في شعِر مجنون لبنى قوله:
وإني لأهوى النومَ في غير حينهِ لعل لقاءً في المنامِ يكونُ تحدثني الأحلامُ أني أراكمُ فيا ليت أحلامَ المنامِ يقينُ
وهو يتناغم مع صاحب غناوة العلم:
قفزات خاطري في النوم .... أسبابه غنايا وجرهم وإن جوه في المنام يروق .... وإن ناض قابله طول يأسهم وكذاب يا منام الليل ............ تجيب في ناس طال يأسهم
وفي شعر الصلتان ألعبدي الذي عاصر جرير والفرزدق نرصد:
نروحُ ونغدو لحاجاتنا وحاجةٌ من عاش لا تنقضي تموت مع المرءِ حاجاتُهُ وتبقـــــــــــى له حاجةٌ ما بقى
وهذان البيتان يتناغمان مع: ما فيش حد مات وأكمل شغله ومن شعر أبو الفتح البستي قوله:
لا تحسينَ سروراً دائماً أبدا من سره زمنٌ ساءتهُ أزمانُ وهو يتوافق مع الشعر الشعبي : لأيام كيف الريح في الدرجاحا ـــــــــ مرة شقى الخاطر ومرة راحا ولأيام لو كان الكريم عكسهن ـــــــــــ لا تزيد يا شاويش لا تنقصهن وعليك وقت يا صاحب غلب هنداوه ،،،،،، وكل حد. ومن الشعر الذي ينسب إلى أوس بن حبناء ، أو المغيرة بن حبناء ، أو إلى الجعجاع بن زياد:
وإن أنتَ لم تقدر على أن تُهينه فدعه إلى اليوم الذي أنتَ قادرُه وقارب إذا لم تجد لك حيلةُ وصمم إذا أَيَقنت أنك عاقرُه
وهو يتناغم مع المثل الشعبي : اليد اللي ما تقدر تثنيها ـــــــ بوصها
هذا بعجلة شديدة ، أتمنى من العلي القدير يوفقنا إلى ما فيه خدمة البحث العلمي والمحافظة على تراثنا بدراسته والسهرِ عليه ــــ أشكركم على إصغاءكم، والسلام عليكم............. |
![]() |