| حركة اللجان الثورية هي حركة ثورية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب |
![]() |
|
البعد القيمي والأخلاقي لتحرير الحاجات في النظرية
العالمية الثالثة |
|
|||||||
|
عنوان المحاضرة :
البعد القيمي والأخلاقي لتحرير الحاجات في النظرية
العالمية الثالثة الأستاذ المحاضر : الدكتور / سالم محمد الشوين
الموافق 23/07/2007 - كلية القانون
جامعة الجبل الغربي |
|
مدخل
البعد
قد يكون بمعنى الغاية والهدف، وقد يعني أيضا الحدود
اللامرئية للخطاب المعرفي الذي تسعى النظرية إلى تحقيقه.
إلا أن ارتباط مصطلح البعد بالقيم الأخلاقية يعني
أن هذا المصطلح يراد منه القيم المثلى من العدالة والحرية
اللتين هما الأساس أو الغاية من تحرير حاجات الإنسان
الضرورية.
فتحرير الحاجات في النظرية العالمية الثالثة يهدف
بالدرجة الأولى إلى تحقيق العدالة في التوزيع من ناحية،
والدعوة إلى تحرر الإنسان من أي استغلال لحاجاته الضرورية
من ناحية أخرى. و بما يوافق ويلائم شريعة المجتمع
ولا ريب
في أن تحكم إنسان بحاجة إنسان أخر، يعني شعور الآخر
بالحرمان، مما يفقده الإحساس الكامل بالحرية، وغياب
العدالة الاقتصادية من توزيع الثروة في المجتمع الذي هو
جزء منه ومشارك فعال فيه لذلك أشارت النظرية إلى:-
((
أن حرية الإنسان ناقصة إذا تحكم آخر في حاجته، فالحاجة قد
تؤدي إلى استعباد إنسان لإنسان، والاستغلال سببه الحاجة.
فالحاجة مشكل حقيقي، والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حاجات
الإنسان))[1].
فالكتاب
الأخضر يربط بين إشباع الحاجات و حرية الإنسان، واعتبر
حريته ناقصة ما لم يمتلك
حاجياته
كاملة.
وبالمقابل
لا يمكن تصور مفهوم الحرية خارج دائرة العدالة، فالحرية هي
الوجه الآخر للعدالة.لان العدالة تعني المساواة والإنصاف.
أي العدالة والمساواة والإنصاف في توزيع الثروات داخل
المجتمع. بغية تحرير الإنسان، وإشباع حاجاته.
فالإنسان
الحر هو الإنسان الذي ينعم بالعدل والمساواة القانونية
والاقتصادية والاجتماعية في مجتمعه. فالمجتمع الذي تنعدم
فيه العدالة والمساواة لا يتمتع كافة أفراده بالحرية
التامة، وتحكم البعض في حاجاته الضرورية والشخصية يدخل في
نفسه الشعور بالظلم والفقر والبؤس.
في هذه الورقة نتناول دراسة للبعد القيمي لتحرير
الحاجات في الفكر الجماهيري أي النظرية العالمية الثالثة
من خلال العناوين الآتية:-
1- الحاجات في النظرية العالمية الثالثة والحرية.
2- العدل وتحرير الحاجات.
3- الغاية من تحرير الحاجات في الفكر الجماهيري.
4- كيفية تحرير حاجات الإنسان في الفكر الجماهيري
1- الحاجات والحرية
في
النظرية العالمية الثالثة
ينطلق
مفهوم الحاجة أصلا عن شعور الإنسان في الاحتياج والافتقار،
وشعور الإنسان بالحاجة وتحكم غيره في حاجاته يفقد الشعور
الكامل بالحرية.
ويمكن تعريف الحاجات
بأنها: (( ضرورات الحياة الأساسية وهي أساسيات مادية
ومعنوية ونفسية وجسدية وعاطفية للحياة الإنسانية السوية))[2].
ويعرف اندريانا
ريجاونا
الحاجة :- (( بأنها
الشعور بالنقصان المرتبط بالرغبة في إزالة هذا الشعور)).
[3]
تبنى فكرة أهمية تحرير الحاجات في النظام
الاشتراكي الجديد الذي تطرحه النظرية العالمية الثالثة على
أهمية الحاجات العامة في الإشباع على أساس الأولية في
الإنفاق وعلى ضرورات الحياة وبقاء واستمرار كيان المجتمع.
إلا أن أهمية الحاجات هي نسبية تختلف باختلاف
الزمان والمكان، فما يعتبر حاجة ضرورية في وقت أو مكان ما
قد يصبح حاجة تحسينية أو كمالية في وقت أو مكان أخر.
وتقسم النظرية الحاجات العامة و الأساسية تبعا
لمعيار المصلحة والغاية العامة في الإشباع إلى :- حاجات
ضرورية للفرد والأسرة(1) والى حاجات ماسة للإنسان(2).
وان
حصر الحاجات في المسكن والمركوب والمعاش، لها ارتباط مباشر
بالحرية الشخصية وفي الشعور بالأمن والاستقرار وهذه
الاشياء التي هي أساس الإبداع. وقد يرتبط هذا التحديد
للحاجات في الكتاب الأخضر: في البعد النفسي والإحساس
الكامل بالحرية من امتلاك المأوى، وضمان حرية التنقل دون
الحاجة للوقوع تحت رحمة الغير، وكذا في تقاضي الإنسان
المعاش الملائم الذي به يشبع حاجاته الضرورية والشخصية
واليومية كالأكل والشرب والرفاهية.
ولا يعني لنا ذلك إن فقدان الحاجات الأخرى
البيولوجية والنفسية وحرية التعبير ونحوها من مطالب ورغبات
الإنسان لا تعد ذات أهمية لتحقيق حرية الإنسان المادية
والمعنوية، ولكن هذه الحاجات هي مدار حرية الإنسان
والجماعة والأمة.
أولا:-
الحاجات الضرورية للفرد والأسرة.
حدد الكتاب الأخضر
الحاجات الضرورية بحاجتين هما المسكن والمركوب واعتبرهما
من الوسائل الضرورية لتحقيق الحرية والسعادة والعيش الكريم
لكل إنسان في المجتمع الاشتراكي الجديد، فلن يشعر الإنسان
بالحرية الكاملة إذا كان مهددا من غيره. وجاء التعبير عن
هاتين الحاجتين في الكتاب الأخضر بالاتي:-
1- المسكن:-
((
المسكن
حاجة ضرورية للفرد والأسرة فلا ينبغي أن يكون ملكا لغيره.
لا حرية لإنسان يعيش في مسكن غيره باجرة أو بدونها.
إن
المحاولات التي تبدلها الدول ليست حلا من اجل معالجة مشكلة
المسكن ليست حلا على الإطلاق لهذه المشكلة، والسبب هو إن
تلك المحاولات لا تستهدف الحل الجدري والنهائي، وهو ضرورة
أن يملك الإنسان مسكنه، بل استهدفت الأجرة من حيث خفضها أو
زيادتها وتقنينها، سواء أكانت هذه الأجرة لحساب خاص أم
عام.
فلا
يجوز في المجتمع الاشتراكي أن تتحكم أي جهة في حاجة
الإنسان بما فيها المجتمع نفسه.
فلا
يحق لأحد أن يبني مسكنا زائدا عن سكناه وسكن ورثته بغرض
تأجيره، لان المسكن هو عبارة عن حاجة لإنسان أخر، وبناؤه
بقصد تأجيره هو شروع في التحكم في حاجة ذلك الإنسان. وفي
الحاجة تكمن الحرية)).[4]
2- المركوب:-
((
المركوب حاجة ضرورية أيضا للفرد والأسرة، فلا ينبغي أن
يكون مركوبك ملكا لغيرك. فلا يحق في المجتمع الاشتراكي
لإنسان أو جهة أخرى أن تمتلك وسائل ركوب شخصية بغرض
تأجيرها لان ذلك تحكم في حاجة الآخرين)).[5]
وفق
ما تقدم يظهر أن
حرية
الإنسان لا تكون كاملة إذا كان يقطن في مسكن ليس هو مالكه،
لأنه مهدد في كل حين
لمغادرة
من
المالك المنزل. سواء كان ذلك باجار أو كان بدونه.
فالنظرية
تدعو مباشرة
إلى أن يسعى الإنسان إلى امتلاك سكن بالطرق المشروعة التي
لا تتعارض مع شريعة المجتمع المتمثلة في الدين والعرف. أي
لا يحمل النص دعوة ضمنية ولا صريحة إلى اغتصاب أموال الغير
بحجة تحرير الحاجات الضرورية. فلكي تكون حرا يجب أن تمتلك
سكنا وتسعى بالطرق المشروعة لامتلاكه.
فان
المنزل المملوك أو المشترك للورثة (س) من الناس- مثلا-
ويقيم فيه أحد الورثة لا يشعر بأنه حر فيه لأنه ليس
المالك
الحقيقي والكلي له، فهو إذا لا يشعر بالأمان والاستقرار
والحرية فيه إلا بامتلاكه، ولكي
يمتلكه لا بد له أن يدفع حق كل وارث فيه وفق العرف والدين،
وإذا قام بمحاولة اغتصابه بالقوة وبحجة سكناه وإقامته فيه
، يكون قد ارتكب فعلا يعارض شريعة المجتمع سواء كان العرف
أو كان الدين، وان تحقق له ذلك فانه لن يشعر بالأمان
والراحة كما لو انه اشترى نصيب كل وارث أو تنازلوا له عن
حقهم.
ولكي يملك أي
إنسان
مسكنا لا بد له من العمل أي التحول إلى الإنتاج والمشاركة
الفعالة في زيادة الإنتاج، الذي يسهم في تحسن دخل الفرد
ويزيد من مقدار حصته من ثروة المجتمع وبالتالي يمكن له
تحرير حاجاته بنفسه وبعمله، لا بالإجراء القانوني.
إن محاولة الدول لحل مشكلة
السكن مع تزايد عدد السكان يوميا من تأمين مساكن بالإيجار
المريح لا تعد حلا لتحقيق الحرية الكاملة لأ فراد المجتمع.
فما دام الإنسان يسكن في بيت مقابل أجرة فهو إنسان غير حر
مهما كانت الضمانات القانونية التي يمنحها القانون له.
كذلك إن بناءه
مسكنا
زائدا عن الحاجة لغرض الاجار قد
يعني
سعي هذا الإنسان للتحكم في حاجة الغير واستعبادهم.
فالبعد
ألقيمي والأخلاقي الذي رمت إليه النظرية هو الدعوة إلى أن
يكون الإنسان حرا بامتلاكه لحاجاته الضرورية من المسكن
والمركوب،وأيضا رفض أي نوع من أنواع استعباد الآخرين ببناء
مسكن أو
امتلاك مركوب زائدا عن الحاجة
وتأجيره للتحكم في حاجة الغير وفي حريته.
وفي المقابل لا يحق لأي شخص أن يمتلك مثل هذه
المواد بغية استعباد واستغلال الإنسان
والنظرية ترى أن تحرير
الإنسان يمر بالضرورة بالانتفاع الفردي بالحاجات الوسائل
الضرورية لاحتياجاته الحياتية والتحرر من الضغوط المرتبطة
بإشباع الحاجات الأساسية وأخيرا يتمكن الإنسان من استرجاع
حريته والتعبير عنها.
((أي أن الادخار الزائد عن الحاجة هي
حاجة إنسان أخر)).[6]
ثانيا:- الحاجات الماسة.
حصرت
النظرية الحاجة الماسة بالمعاش دون غيره من الحاجات، لان
المعاش أو الوسيلة الأولى للعيش، وبه يستطيع إشباع حاجاته
الأساسية والضرورية والشخصية، وقد عبرت عنه النظرية بالنص
الآتي:-((
المعاش حاجة ماسة جدا للإنسان، فلا يجوز أن يكون معاش أي
إنسان في المجتمع أجرة من أي جهة أو صدقة من احد، فلا
أجراء في المجتمع الاشتراكي بل شركاء. فمعاشك هو ملكية
خاصة لك تديرها بنفسك في حدود إشباع حاجاتك، أو يكون حصة
في إنتاج أنت احد عناصره الأساسية، وليس أجرة مقابل إنتاج
لأي كان.))[7]
.
موضوع
المعاش مرتبط بفلسفة المصطلح نفسه- حسب تصوري-
أي
أن المعاش ليس المرتب أو الأجر الذي يتقاضاه الفرد نتيجة
جهده من عمله. فالمعاش مرتبط بالعيش والحياة الكريمة
للفرد، وهو أيضا نصيب أو حصة معينة من ثروة المجتمع
الاشتراكي مخصصة للفرد مقابل الخدمة التي يسهم فيها من اجل
زيادة الإنتاج أو أي خدمة عامة تساهم في تطور المجتمع.
فلذا لا يمكن أن يشعر الإنسان بالعيش الكريم
والسعادة إلا إذا كان المعاش الذي يتقاض عن جهده يحقق له
الحرية الكاملة من إشباع حاجاته الأساسية والضرورية.
فالمعاش
هو الوسيلة التي يحرر ويمتلك به الحاجات من المسكن
والمركوب والأكل واللبس ونحوها من الحاجات والرغبات التي
يطمح كل إنسان إلى تحقيقها.
وعلاوة على هذا لا ينبغي أن يكون المعاش عبارة عن
اجر أو صدقة من أي جهة، فإذا اعتبرناه كذلك يعني أن الفرد
هو أجير لرب العمل، وبالتالي هو أشبه بالعبد له، فالأجر
والصدقة يمنحها الإنسان وفق إرادته واختياره وله الحرية في
أعطاها أو منعها أو حتى إنقاصها.
ولكن المعاش وفق تصور الاشتراكية الجديدة هي حصة
أو نصيب مقدر من ثروة المجتمع لكل من يسهم في الدفع بحركة
الإنتاج بجميع أنواعها أي الذي ينتج هو الذي يستهلك.
وبالمقابل لا ينبغي أن تستولي فئة من المجتمع على
النصيب الأوفر من ثروة المجتمع ،والاستحواذ على ثروة باقي
أفراد المجتمع، فينعم قلة من المجتمع بالنصيب الأوفر من
ثروة المجتمع بسرقتهم لجهده وعرقه وهذا ما عبرت عليه
النظرية بالنص التالي:-
(( إن ثروة المجتمع تشبه
مؤسسة تموين، أو مخزن تموين يقدم يوميا لعدد من الناس
مقدارا من التموين بوزن محدد يكفي لإشباع حاجات أولئك
الناس في اليوم، ولكل فرد ان يدخر من ذلك المقدار ما يريد،
أي له إن يستهلك ما يشاء ويدخر ما يشاء من حصته، وفي هذا
يستغل قدرته الذاتية وحذقه.
أما الذي يستغل تلك
المواهب ليتمكن من الأخذ من مخزن التموين العام ليضيفه إلى
نفسه فهو سارق ما في ذلك شك. وهكذا فالذي يستخدم حذقه
ليكسب ثروة أكثر من إشباع حاجاته هو في الواقع معتمد على
حق عام وهو ثروة المجتمع التي هي مثل المخزن المذكور في
المثال..))[8]
وعلاوة
على ذلك إذا كان المعاش لا يساوي حصة أو نصيب الفرد من
الإنتاج ومن ثروة المجتمع، فقد يسهم ذلك في شعور الإنسان
بالبؤس والفقر والحرمان لعدم قدرته على تحقيق رغباته،
وحاجاته الضرورية.
مع
ذلك ليس من الضروري أن يكون كافة أفراد المجتمع على قدر من
المساواة في المعاش، بمعنى لا يمكن تطبيق المساواة
الحسابية في موضوع المعاش، ولكن تكون هنالك مساواة فعلية
أو نسبية، وهي ما تقابل مصطلح الإنصاف في توزيع مقدار
الثروة، لا ن من طبيعة الأدوار الخدمية التي يقدمها
الأفراد تختلف باختلاف نوع العمل والجهد. ولكن الذي ركزت
عليه النظرية أن الإنسان يستطيع
من خلال معاشه أن يحقق رغباته في
إشباع حاجياته الضرورية والشخصية. وان التفاوت في الدخل
أمر طبيعي كاختلاف أشكالنا وألواننا.
فالعدالة في التوزيع تعني أن يتحصل كل فرد على
نصيبه من ثروة المجتمع مقابل جهده الذي يقدمه للمجتمع.
((
ولا يجوز التفاوت في ثروة الأفراد في المجتمع الاشتراكي
الجديد إلا للذين يقومون بخدمة عامة ويخصص لهم المجتمع
نصيبا معينا من الثروة مساويا لتلك الخدمة...إن نصيب
الأفراد لا يتفاوت إلا بمقدار ما يقدم كل منهم من خدمة
عامة أكثر من غيره، وبقدر ما ينتج أكثر من غيره.))[9]
.
إن
حصر النظرية للحاجات بشكل كلي في المسكن والمركوب والمعاش
لا يعني لنا أن الحرية تحقق بامتلاك هذه الوسائل للعيش
الكريم فقط، لان الحاجة قد تتغير بتغير المكان والزمان.
فالهدف من تحرير الحاجات في الفكر الجماهيري هو
سعادة الإنسان وتحريره من أي نوع من أنواع العبودية
المباشرة أو الغير مباشرة، والسعي إلى تحقيق العيش الكريم
الذي يتوافق مع أدمية وكرامة الإنسان الحر ، وإزالة أي
شعور بالقهر والظلم لدى الإنسان من عدم
قدرته على إشباع حاجاته:-
.((إن
هدف المجتمع الاشتراكي هو سعادة الإنسان التي لا تكون إلا
في ظل الحرية المادية والمعنوية. وتحقق الحرية يتوقف على
مدى امتلاك الإنسان لحاجاته امتلاكا شخصيا ومضمونا ضمانا
مقدسا... أي أن حاجتك ينبغي ألا تكون ملكا لغيرك، وألا
تكون عرضة للسلب منك من أي جهة في المجتمع، وألا عشت في
قلق يذهب سعادتك ويجعلك غير حر لأنك عائش في ظل توقعات
تدخل خارجي في حاجاتك الضرورية.))[10]
.
أرى أن
هذه الأمثلة التي طرحتها النظرية وعبرت عنها بالحاجات
الضرورية والماسة تحمل في تصورها الداخلي دعوة إلى تحرر
الإنسان وعن طريق التحول للإنتاج أولا لتحقيق المجتمع
الاشتراكي الجديد، وبالتالي يتحصل كل فرد على نصيبه من
ثروة المجتمع. وتتحول كافة ثروة المجتمع لملك أفراد الشعب
ويتم توزيعها بقدر متساو أي العدالة في التوزيع ثانيا.
بهذا السبيل يتمكن كل فرد من إشباع حاجاته.
وإذا استطاع المجتمع تحقيق
ذلك فالنتيجة أن كل إنسان سينعم بالحرية والمساواة
والسعادة وهي الغاية من تحرير الحاجات ولا يكون في هذا
المجتمع الاشتراكي الجديد أي شكل من إشكال العبودية. وهذا
ما عبرت عليه النظرية بالنص الآتي:- ((.....
وهكذا أنتجت التجارب التاريخية تجربة جديدة كتتويج
لكفاح الإنسان من اجل استكمال حريته وتحقيق سعادته بإشباع
حاجاته، ودفع استغلال غيره ووضع حد نهائي للطغيان، وإيجاد
طريقة لتوزيع ثروة المجتمع توزيعا عادلا حيث تعمل بنفسك
لإشباع حاجاتك، لا أن تسخر الغير ليعمل لحسابك لتشبع على
حسابه حاجاتك، أو أن تعمل من اجل سلب حاجات الآخرين. إنها
نظرية تحرير الحاجات ليتحرر الإنسان..))
[11]
العدل وتحرير الحاجات
للعدل عدة
معان في المعجم اللغوي العربي، من هذه المعاني، الاستقامة
أي الاعتدال، الإصلاح، والعدول بمعنى الابتعاد. في هذا
يقول ابن منظور إن العدل هو ما قام في النفوس انه مستقيم.
وكل ما لم يكن مستقيما أو منتظما كان جورا وظلما. وعدل
الموازين والمكاييل: سواها. وعدل الشيء يعدله عدلا
وعادله:وازنه. وعدلت ببن الشيئين، وعدلت فلانا بفلان إذا
سويت بينهما. وتعديل الشيء تقويمه. وقيل: العدل تقويمك
الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلا. والعدل
والعدل والعديل سواء أي النظير والمثل. ومن العدالة اسم
لمعنى العدل.[12]
و يستخدم مصطلح العدل بمعنى المساواة أو التساوي،
أي مساواة هذا الشيء بذاك. ويمكن التعبير عن هذا المعنى
بمصطلحين : كيفي وكمي. الأول يشير إلى المساواة المجرد
الذي يعني المساواة في الحقوق. أما المصطلح الثاني، فيؤكد
العدل التوزيعي.
وعلى هذا يكون المعنى الحرفي ل(عدل) في العربية
الفصيحة مزيجا من القيم الأخلاقية والاجتماعية وهو يفيد :
الإنصاف، المساواة، الميزان، الاعتدال، الاستقامة.
موضوع
تحرير الحاجات في النظرية العالمية الثالثة مرتبط بالعدل
كقيمة أخلاقية مثلى
كالحرية.
فالعدل
والحاجة في المجتمع الاشتراكي الجديد متصل بموضوع توزيع
ثروة المجتمع توزيعا عادلا بين أفراد المجتمع ، دون تفريق
بينهم. فإذا
تمكن المجتمع من تحقيق
العدالة في توزيع الثروة لاشك يصل إلى الغاية
من ان يشبع
حاجات
أفراده الضرورية ولو بشكل متناسب ، وبهذا ينعم كل عضو في
المجتمع
بالسعادة والحرية. وهذا
في مضمونه البعد الاساسي الذي ترمي النظرية إلى تطبيقه من
خلال تحرير حاجات الإنسان، وقد مثلة النظرية لذلك في النص
الاتي:-
(( إن
ثروة المجتمع تشبه مؤسسة تموين، أو مخزن تموين يقدم يوميا
لعدد من الناس مقدارا من التموين بوزن محدد يكفي لإشباع
حاجات أولئك الناس في اليوم، ولكل فرد أن يدخر من ذلك
المقدار ما يريد، أي له إن يستهلك ما يشاء ويدخر ما يشاء
من حصته، وفي هذا يستغل قدرته الذاتية وحذقه.
أما الذي يستغل تلك
المواهب ليتمكن من الأخذ من مخزن التموين العام ليضيفه إلى
نفسه فهو سارق ما في ذلك شك. وهكذا فالذي يستخدم حذقه
ليكسب ثروة أكثر من إشباع حاجاته هو في الواقع معتمد على
حق عام وهو ثروة المجتمع التي هي مثل المخزن المذكور في
المثال)).[13]
وبالمقابل
قد تتفاوت انصبت الأفراد من ثروة المجتمع باختلاف أدوارهم
الإنتاجية والخدمية، وبهذا يتحقق العدل النسبي أو المساواة
النسبية التي تعني في حد ذاتها الإنصاف والعدالة في
التوزيع.
وايضا لا
يمكن بأي حال من الأحوال أن يتساوى كافة أفراد الشعب في
نصيبهم من ثروة المجتمع تحت منطلق العدالة في التوزيع،
والى ذلك أشار الكتاب الأخضر في النص التالي:
((
ولا يجوز التفاوت في ثروة الأفراد في المجتمع
الاشتراكي الجديد إلا للذين يقومون بخدمة عامة ويخصص لهم
المجتمع نصيبا معينا من الثروة مساويا لتلك الخدمة...إن
نصيب الأفراد لا يتفاوت إلا بمقدار ما يقدم كل منهم من
خدمة عامة أكثر من غيره، وبقدر ما ينتج أكثر من غيره.))
[14]
وقد
يتفق هذا المعنى الذي رمت إليه النظرية مع ما نصه في
القران الكريم كقوله تعالى:-
(( كي لا يكون دولة بين
الأغنياء منكم))[15]
وقوله تعالى:- ((
واتوهم من مال
الله الذي أتاكم))[16]
فالمال لله وليس
للاستحواذ: والفقر والكفر صنوان يساهم به الأغنياء إن لم
ينصفوا الفقراء. وحق الفقير في مال الدولة كحقه في مال
الغني من جهة استحقاقه للزكاة تحديدا لا مطلقا..
فالغاية
من إقامة العدالة في التوزيع هي
تحرير الإنسان من خلال تحرير حاجاته الضرورية والماسة
والشخصية.
الغاية من تحرير الحاجات في الفكر الجماهيري
قد صرحت
النظرية العالمية الثالثة للبعد والغاية الأساسية من تحرير
الحاجات بشكل واضح، في عدد من النصوص، بداية من ضمان حرية
الإنسان، تحقيق السعادة والأمان، إلى العيش بكرامة وحرية.
ويمكن استعراض هذه النصوص على الترتيب الآتي:-
((
إن غاية المجتمع الاشتراكي الجديد هي تكوين
مجتمع سعيد لأنه حر، وهذا لا يتحقق إلا بإشباع الحاجات
المادية والمعنية لإنسان، وذلك بتحرير هذه الحاجات من
سيطرت الغير وتحكمه فيها. إن إشباع الحاجات ينبغي أن يتم
دون استغلال أو استعباد الغير، و إلا تناقض مع غاية
المجتمع الاشتراكي الجديد.))
[17]
((
إن هدف المجتمع الاشتراكي هو سعادة
الإنسان التي لا تكون إلا في ظل الحرية المادية والمعنوية.
وتحقيق الحرية يتوقف على مدى امتلاك الإنسان لحاجاته
امتلاكا شخصيا ومضمونا ضمانا مقدسا.. أي ان حاجتك ينبغي
إلا تكون ملكا لغيرك، و إلا تكون عرضة للسلب منك من أي جهة
في المجتمع، و إلا عشت في قلق يذهب سعادتك ويجعلك غير حر
لأنك عائش في ظل توقعات تدخل خارجي في حاجاتك الضرورية.))[18]
إذا
إن الغاية والهدف الأسمى الذي
تسعى النظرية إلى تحقيقه هو تحرير
الإنسان من أي نوع من أنواع العبودية والتعسف والقهر، وجعل
الإنسان يحي حياة كريمة وسعيدة له
ولكل أفراد أسرته بإشباع حاجاته الأساسية من المسكن
اللائق، والمركوب الملائم، والمعاش الكافي لإشباع حاجاته
ورغباته. وبان يكون الإنسان حر في خياراته.
فالإنسان
يكون حرا حرية كاملة إذا كان قادرا على الحركة الفكرية أو
المادية في كل اتجاه واذا كان قادرا على الاختيار من بين
مجموعة من الاختيارات، ويكون ناقص الحرية إذا وجد مانع يحد
من حركته وقدرته على الاختيار. والحرية تأتي على درجات
تتفاوت بتفاوت الموانع التي تحد من القدرة على الاختيار.[19]
كيفية تحرير حاجات الإنسان في الفكر الجماهيري.
إن تحرير الحاجات في النظرية العالمية الثالثة
يتحقق وفق خطوات طبعية يمكن تحديدها بالاتي:
1- التجرد من الأنوية
بتحرر الإنسان من الأنانية وحب الذات، وغريزة
التملك فوق الحاجة، وان يقنع كل إنسان بالقدر أو النصيب
الذي يحقق له إشباع رغباته. واعتبار أن كل ما زاد عن حاجته
هو من حق إنسان آخر يسهم في تحقيق :
(( إن الادخار الزائد عن
الحاجة هو حاجة إنسان أخر من ثروة المجتمع))[20]
(( إن
إشباع الحاجات ينبغي ان يتم دون استغلال أو استعباد الغير،
و إلا تناقض مع غاية المجتمع الاشتراكي الجديد.))[21]
2- المشاركة الفعالة في الإنتاج
تحدد النظرية العالمية
الثالثة موقفها من عملية الإنتاج بصراحة، فالإنتاج شيء
مرغوب فيه لأنه أساس إشباع الحاجات، فما دامت هناك حاجات
ضرورية وماسة، لا تكتمل حرية الإنسان إلا بالسيطرة عليها،
فان عمل الإنسان لابد أن يوجه لإنتاج هذه الحاجات، من خلال
الانتفاع بالثروة الاجتماعية، شغلا، وزراعة ، ورعيا، حسب
طبيعة العملية الإنتاجية، صناعية كانت ام زراعية. وحركة
المجتمع الاقتصادية لا بد أن يكون محورها الإنتاج
والمشاركة، وان يكون هدف الإنتاج هو إشباع الحاجات.[22]
(( إن
النشاط الاقتصادي في المجتمع الاشتراكي الجديد هو نشاط
إنتاجي من اجل إشباع الحاجات المادية، وليس نشاطا غير
إنتاجي أو نشاطا يبحث عن الربح من اجل الادخار الزائد عن
إشباع تلك الحاجات.))[23]
ولتحقيق
هذا البعد يجب أن يعمل كافة أفراد المجتمع نحو تطوير
وزيادة الإنتاج حتى يمكن إشباع حاجات الأفراد. وكلما كان
الاقتصاد ضعيفا كلما قلت قدرته على إشباع حاجات الناس حتى
في الاقتصاديات الدول الغنية. إن المستوى العالمي من
الاستهلاك لا يعني بالضرورة قدرا أعلى من الحرية سواء في
المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
فتحرير الحاجات
يتوقف على تأسيس وتحقيق مفهوم الاشتراكية السياسية
والاقتصادية الاجتماعية، والتحول من إطار الأجراء
والرأسمالية والملكية الفردية و ملكية الدولة إلى الملكية
الجماعية، وفق ما رمت إليه النظرية من مفهوم الاشتراكية
الجديدة. وإدارة المؤسسات الاقتصادية على نحو يزيد من
الدوافع الديمقراطية لدى الشعب ويتيح الفرص للتعبير عن
الذات.
من المهم القول في ختام هذه الورقة إن البعد الذي
يعد محور الركن الاقتصادي في النظرية العالمية الثالثة
مهتم بعمق بقضية الحرية في مجملها وبتطوير شخصية
الإنسان كاملا.
فالنظرية قدمت الحل على المستوى النظري لأجل تحققه
على مستوى الواقع التطبيقي، دون أن يكون هنالك أي تدخل
قانوني أو إداري بغية تحرير حاجات الإنسان الضرورية.
فتحرير
الحاجات يجب أن ينطلق من القاعدة الطبيعية، أي خلق الإنسان
الديمقراطي الاشتراكي، وتأسيس المجتمع على أساس التضامن
والتكافل بين أفراده، والتجرد من الأنانية وحب التملك
والفردية. وهذا بالطبع ما أشارت إليه النظرية بالنص
الآتي:-
(( إن الحاجات الضرورية
للإنسان من السخرية معالجتها بإجراءات قانونية أو إدارية
أو ما إليها، وإنما يؤسس عليها المجتمع جذريا وفق قواعد
طبيعية.))
[24]
المراجع
1- معمر القذافي ،الكتاب الأخضر، منشورات المركز
العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، الطبعة26،
1999.
2- امرسياناي ارسيلانا، الحاجة والحرية بحث مقدم
في ( الملتقى الثاني حول النظرية العالمية الثالثة)،
منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر،
الطبعة الثانية 1991
3- محمد بن منظور، معجم لسان العرب.
4- محمد لطفي فرحات، معالم نظرية اقتصادية جديدة،
منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر.
5- محمد لطفي فرحات، حصة المجتمع، أكاديمية الفكر
الجماهيري، طرابلس، الطبعة الأولى، 2004..
6- اندريانا ريجاونا ، ، الحاجة والحرية بحث مقدم
في ( الملتقى الثاني حول النظرية العالمية الثالثة)،
منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر،
الطبعة الثانية.1991.
[1]
معمر القذافي ،الكتاب الاخضر، الفصل الثاني، الركن
الاقتصادي، الطبعة26، 1999، ص89-90.[1]
امرسياناي
ارسيلانا، الحاجة والحرية بحث مقدم في ( الملتقى
الثاني حول النظرية العالمية الثالثة) الطبعة
الثانية 1991 ص9..[2]
|
![]() |