حركة اللجان الثورية هي حركة ثورية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب
 

القرآن وتفعيل العقل

   

الندوات والمحاضرات

صور الندوة

 

 
   

 

عنوان المحاضرة :  القرآن وتفعيل العقل

الأستاذ المحاضر :   الدكتور / سعيد فاندي

  

القرآن وحركة الفهم : ـ

            بدأ القرآن الكريم في تفعيل العقل نحو الفهم منذ نزول آياته الأولى في قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ العلق من1إلى5 ، فقد تضمنت الآية الأمر بالتلقي الواعي من العقل المنفعل بالعلم الفاعل ، ووجهته إلى مصدره ، وهو الوحي والتعلم ، ولتكرار الفعل " اقرأ " بين صدري الآية الأولى والثالثة دلالة على أهمية القراءة الواعية المنقولة من المسطور أو المنقول ، وجاءت الدلالة على الوحي بتعليق على التلقي باسم الله ،وجاءت الدلالة على التعلم في آلته وهي القلم .

            وهذه الحركة المعرفية الربانية تنجذب نحو ثلاثة أقطاب غير متنافرة في العلاقة الاستدلالية ، مختلفة في الأوصاف الذاتية : الله ، والعالم ، والإنسان ، حيث ظهر وصف الربوبية في الدلالة على الله الخالق ، وأبان فعل الخلق عن عموم العالم المخلوق ، وصرحت الآيتان الثانية والخامسة بوصف الإنسان : ؛ لأنه مقصد الخطاب القرآني ، وهذه الأقطاب الثلاثة هي أساس المنهج الإسلامي في توجيه حضارته الفكرية ، وتمييزها عن الحضارات السابقة واللاحقة ، يقول الجابري : " ما يميز العقل العربي بوصفه عقل الثقافة العربية الإسلامية هو أن العلاقات داخلة ، تتمحور حول ثلاثة أقطاب : الله ، الإنسان ، الطبيعة ، وإذا أردنا تكثيف هذه العلاقة حول قطبين اثنين فقط .. وجب أن نضع في أحدهما الله ، وفي الآخر الإنسان "(1)

            وهذه الحركة المتزنة تتسع ، وتتعمق على حسب النشاط الفكري المساوي لها من العقول الفاعلة في مسيرة الحضارات الفكرية المهتدية بها ، وقد رسم القرآن معالم تحقق بإنجاز العقول لها في مجال التفهم الرشيد ، والتأمل السديد ، وأوضح ما يقابلها من تعطيل للفهم من جهل أو غمط متعمد للحق البين ، حتى وصف الذي يريد لعقله ألا يفهم ، بأنه أضل من الحيوان الأعجم : ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ الفرقان 44 .

            وقال في موضع آخر يظهر تعطيل الكافرين للوسائل العلمية ، إعراضا عن دائرة الفهم الدقيق ، المعبر عنه بلفظ [ يفقهون ] ، حيث يقول تعالى : ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ الأعراف 179 .

            وللتفهم في القرآن مفهوم عميق في دلالته ، واسع في مظاهره ، بحيث يتقيد بالدقة ، فيعبر عنه بالفقه في صيغة فعلية تدل على الاستمرار في حركة التأمل الطويل ، والتبصر الدقيق ، قال تعالى  : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ الإسراء 44 ، فإدراك تسبيح المخلوقات الأخرى ، يحتاج إلى فهم دقيق سواء أكان ذلك بالتفسير الحقيقي للتسبيح أو التأويل   المجازي ، لمعناه ، ولقد أعرض قوم شعيب عن دعوته ؛ لأنهم رفضوا أن يتفهموا فهماً دقيقاً ، فقال القرآن على ألسنتهم : ﴿ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا  تَقُولُ ﴾ هود 91 ، ونعى القرآن على اليهود ترك الفهم الدقيق عندما رجحوا الخوف من المخلوقات على الخوف من الخالق ، فقال تعالى : ﴿  لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴾ الحشر 13 ، فالقرآن لا يخاطب المتلقين له بالفهم العابر ، أو التأمل الخاطر ، بل يهيب بالعقل أن يتحرك في دوائره حركة متزنة متساوقة في منظومة التعقل الفاعل ، والتفعيل العاقل ، فيتحرك الإدراك والوجدان والسلوك في تلاحم دقيق نحو مقصد الهداية ، في صور متعاقبة ، ترسم مظاهر ذلك الفهم الدقيق ، ولكن في ترتيب لا يخضع لرتابة ثابتة ، بل يستجيب للدوافع والمواقف والمقاصد ، فمن دوائر الفهم : التذكير ، والتفكير ، والتدبر والتعقل، وقد يرد وصف منها منفرد في سياق يقتضي انفراده ، وقد تجتمع بعض هذه الأوصاف في انتظام يخالف انتظاماً ما في سياق آخر على حسب اختلاف الموضوع المقصود بالنظر ، والغرض المنشود في الذكر ، فالتذكر استيعاب لمعلومات وتجارب سابقة من أجل استثمارها في تفهم واقع أو استشراف متوقع ، والتفكر : التعمق في المقدمات بعقل رشيد ، وبصيرة نافذة في تجرد من الأوهام ، والتدبر : التقدير والتنظيم السوي لتلك المعلومات ، وهو يقارب معنى الفهم ، والتعقل : توظيف المعلومات المسلم بصحتها أو المبرهن على سلامتها من أجل الوصول إلى نتائج صحيحة .

            ومن السياقات القرآنية التي اجتمع فيها التفكير والتعقل ، قوله تعالى :     ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَوَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾  الرعد 3 ، 4 ، فتناسب تقديم التفكير لأسبقيته في التوظيف العقلي من الإنسان ، وكذلك يتقدم التفكير على التعقل في قوله تعالى : ﴿ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ النحل 11 ، 12 .

            ثم يأتي التذكر لاحقاً دليلاً على صحة التعقل لهذه القضية : ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ النحل 13 بينما يتقدم التعقل على التذكر في موضع آخر من السورة نفسها ، مراعاة لطبيعة منطوق ومفهوم ما تقدم من الآيتين : ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾النحل 67 ، فالسكر يقابله حفظ العقل ، وتوظيفه في مهمته ، ثم قال تعالى : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ النحل 68 ، 69 ، ففي الآيتين ذكر مظاهر قدرة الله في النحل ، ويحتاج ذلك إلى تأمل عميق .

            وجاء التدبر منفرداً في موضعين متفرقين ، ولكن في شمولية ؛ لأن الحركة الجامعة لمنهج القائم على التذكر والتفكر ، والتعقل ، فتعلق بالقرآن مصدر المعرفة الإلهية ، فقال تعال : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾  محمد 24 ، وشفعت أوصاف التذكر والتعقل والتذكر بذكر كلمة آية ، لأنها المسلمة الكتابية أو الكونية التي تبنى عليها مظاهر التفهم ، والتدبر بتلك الأوصاف الإجرائية التي تجعل العقل متنقلاً من التصحيح إلى الاستدلال ثم إلى الاستنباط ، وفي تماس مع الوجدان ، حيث لا يكاد يخلو استدلال عقلي من استحضار  للوجدان ، وهذه خاصية أخرى من خصائص المنهج القرآني ، تحتاج إلى بحث مستقل ، وهذا لا يثبت دعوى انحصار مفهوم العقل الإسلامي في المنحى الأخلاقي ، بل يشمل كذلك المجال البر هاني ، فلا نستطيع التسليم لقول الجابري : " إذا استشرنا الكتاب العربي المبين ، فإننا سنجد هذا المعنى القيمي المرتبط بكلمة " عقل " ، وما في معناها يعبر في الأغلب الأعم عن التمييز بين الخير والشر ، بين الهداية والضلال "(1) ، وحاول مضاعفة استدلاله ، وقد أحس بفجوة في مفهوم المخالفة في كلمة الأغلب فيقول : " ولعل مما له مغزاه في هذا الصدد أن القرآن لا يستعمل مادة ( ع – ق – ل ) في صيغة الاسم " (2)

            ولكن استعمال صيغة الفعل بآلة التفكر والتعقل ، بالعمل الذهني ، وآلة الحدس والبصيرة بالشعور القلبي المنتظم في منظومة العقل الواسع العميق الذي لا يضيق باجتماع الإدراك العاقل والشعور الفاعل ، فالحركة العقلية بالقرآن على الرغم من كونها تقصد إلى الهداية ، فإنها ترمي كذلك إلى تصحيح المسار العقلي في البرهان ، لأنه من أهم الأغراض التي تؤصل ذلك المقصد العظيم ، في احتساب للشعور الباطن الذي قد يهتدي إلى الحق قبل التفكير الظاهر على حسب استعداد المتلقي ، ومقتضيات أحواله العلمية والنفسية وفي تأكيد شمولية القرآن ، فالتجرد من التعقل البرهاني ، يجر إلى التوهم الشعوري ، كما أن التجرد من الحدس الباطن يجر إلى التفجر الجدلي ، وذلك ما جعل المفكر الغربي قودمان يقول : " إن ما تستدل به يمكن أن يستدل به عليك "(3) ، بل إن الجابري يعترف في موضع آخر بأن خناك برهنة عقلية سائدة في الآيات العقيدية القرآنية ، فيقول : " تكتسي جدلية المعقول واللامعقول في الخطاب القرآني في صورة الصراع بين التوحيد والشرك "(4) .

 

      وقد حاول العقاد من قبل معالجة هذه القضية في ضوء شمولية البرهان القرآني وتوسعه في توظيف العقل ، فقال :" العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق ، ويميز بين الأمور ، ويوازن بين الأضداد "(1) .

            والتفهم مرحلة ضرورية  ومقدمة في المنهج القرآني ، الذي يحرك العقل في مجاله ، ويساوق بينه وبين الوجدان المتبصر والإرادة الإنسانية الفاعلة ، ومن الشواهد على ذلك أن الصحابة كانوا يحرصون على التفكير حرصهم على العمل : " قيل لأم الدرداء ما كان شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر التفكير ، قيل له : أترى التفـكير عملاً من الأعمال ؟ قال : نعم ، وهو اليقين " (2) .

 

القرآن وحركة التعليل :-

            للعقل حضور فاعل في النص القرآني تفسيراً وتأويلاً ، وكان التعليل مجالاً رحباً ، يحقق ذلك الحضور ، فالقرآن يروض العقل على إدراك علل كثيرة من وجوه الخطاب تصريحاً وتلميحاً ، وفي ذلك ضمان لانضباط العقل بمنهج سوي في التفكير ، ومقصد سني في الاهتداء ، فالبحث عن العلة من لوازم ذلك المنهج ، وطرائق ذلك المقصد .

            وكان المتوقع في التعاليم الدينية أن تبنى على التلقي المحض الذي يأمر الإرادة الإنسانية ، بتغريب العقل وتغييبه في مأمورات ومنهيات ، وأخبار لا تقبل التعليل ، غير أن القرآن سلك سبيلاً مغايراً لذلك ، حتى يخلد نصه ، بتقبل العقل ، ويخلد العقل بهداية النص،وما التعليل إلا مجال من مجالات ذلك التفاعل، ولا نريد بالتعليل إدراك العلة الحكيمة في الآيات المحدودة في الأحكام الفقهية العملية ، بل التوسع في الكشف عن الدافع المؤثر في أي معلول ، ولو كان خبراً من الأخبار أو ظاهرة من الظواهر ، مع الإقرار بأهمية العلة الفقهية في معالجة القضايا المتعلقة بالنظم الشرعية ، وهي حيز كبير في اهتماماتنا الفكرية ، وتقف  شاهداً على دور العقل في استنباط الأحكام ، والعلة في عموم دلالتها : لفت القرآن العقل إلى ربط الظواهر بمؤثراتها ، والمسببات بأسبابها ، والأدلة بعناصرها الأولى التي بنيت عليها ، والقيم بحكمها المقصودة ، ولا يتصادم البحث عن العلة مع مطلق الإرادة الإلهية ، ولا مع المسلمة القرآنية : ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ الأنبياء 23 ، لأن علة اختياره تعالى على مقتضى الحكمة المتنزهة عن العبث ، يقول محمد عبده : " إن أفعاله لا تعلل بالأغراض ، ولكنها تتنزه عن العبث ، ويستحيل أن تخلو من الحكمة ، وإن خفي شيء من حكمتها عن الأنظار "(1) .

والتعليل هو الخطوة الأولى في طريق الاستدلال على وجود الله ، واتصافه بالكمال ، لأن الإنسان عندما ينظر في الكون من أصغره إلى أكبره يسأل عن علة الوجود ، ثم يسلم بنتيجة تفيد بأنها صادرة عن القوة الإلهية ، من أجل ذلك فإن القرآن ، وهو يعرض القضايا العقدية يرشد العقل إلى استكشاف العلة ، وقد يبسطها له بالذكر الصريح ، وقد يضمرها ، ويدل على قراءتها ، فيتحرك العقل في إظهارها ، إذا استوى في المنهج ، وتحرر من الوهم والهوى ، فقد يتساءل متحيراً : لماذا دانت كثير من الشعوب بتعدد الآلهة ، مع أنها بلغت درجة عالية من التمدن ؟ وهذا سؤال لا يقتنع العقل إزاءه إلا بكشف العلة في نقيض هذه الظاهرة العقدية المنحرفة ، فيخاطب القرآن ذلك العقل الذي ينشد الاهتداء ، ويذكره بأن تلك الآلهة كانت من طينة الأرض مثل الإنسان ، ويلزم في حق الإله أن يخالف المخلوق المعلول ، فيقول تعالى في استفهام إنكاري ، وتعليل برهاني : ﴿ أََمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾  الأنبياء 21 ، 22 ويعلل في سياق آخر بطلان افتراض تعدد الآلهة تحت إمرة إله أعظم ، بأنهم لا يستحقون وصف إله ، لاحتياجهم إليه ، والذات الإلهية تتصف بالغنى المطلق ، والقدرة غير المتناهية : ﴿ ُقل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ﴾ الإسراء 42 ، فذكر العلة في هذه الآية كان وسيلة العقل المنهجية في الوصول إلى النتيجة المحققة وهو كون الإله واحداً لا يتعدد .

            وهناك افتراض آخر محتمل في الذكر ، باطل في البرهان ، وهو أن يتفق الآلهة في تقسيم المهمات بينهم ، ويستقل بعضهم عن بعض بتصريف الأمور كما توهم اليونان إلهاً للجمال ، وآلهة للحب ، وإلهاً للحرب ، وإلهاً للشعر ، وآخر للخمر ، وكما يزعم النصارى في تعدد الاب والابن وروح القدس ، فيبطل القرآن ذلك ، فيكشف علة القهر والغلبة ، وهي من خصائص الإلوهية ، فيقول : ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ المؤمنون 91 .

            ويوجه الله العقل إلى خلو القرآن من التناقض ، وهو ما لا يقدر على الاحتراس منه أي كاتب مهما بلغ من الدقة والحكمة : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ النساء 82 ، كما يوجه العقول إلى البحث في المؤثر بالرزق والإحياء والإماتة ، وتقرير مصير الإنسان في صورة استفهامية ، تجعل العقل عاكفاً على البحث في ذلك المؤثر ، ثم التسليم بأنه لن يكون إلا الخالق الذي لا ينتهي مدده ، ولا تحد ذاته بزمان أو مكان أو حال ، فيقول تعالى : ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ يونس 31 ، ثم يعاود لفت البصائر : ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ...﴾  يونس 35 .

            ويقطع الله عذر من يتعلل بعجز عقله عن إدراك حقيقة التوحيد ، ويدعي أنه في لبس من هذه القضية ، فيعلق الله عقاب من فرط في الإيمان به ببعث الرسل : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ الإسراء 15 .

            ويصور افتراض تعلل المشركين يترك لبعثة الرسل : ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ طه 134، ويعلل القرآن الكريم ضرورة الآخرة ، وأنها علة الجزاء ، وأن التلازم موصول بين عمل الإنسان في الدنيا وجزائه في الآخرة ، فقال تعالى : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾  المؤمنون 115 ، ويقدم القرآن خلق الإنسان وإماتته دليلاً على الآخرة : ﴿أَيَحْسَبُ الإنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى{36} أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى{37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى{38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى{39} أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾  القيامة من 36 إلى 40 .

ويدحض القرآن دعوى الكافرين في إنكار البعث بإظهار العلة المؤثرة في خلق الأرض ومن فيها ، حيث قالوا : ﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾  المؤمنون 82 ، فيجيبهم القرآن بسؤال يقرر العلة المؤثرة : ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾  المؤمنون 84 ، والعلة المؤثرة في الطبيعة وقوانينها هي القدرة الإلهية المؤثرة بالبعث والحساب ، : ﴿ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ يس من 78 إلى 82 .

            وقد صورت معتقدات بعض الناس بالآخرة ، ولكن على انحراف في الاعتقاد ببعض مواقفها ، وفي صورة الثواب والعقاب ، كما حدث للفلاسفة الذين أنكروا البعث الجسماني ، وحصروا العذاب والنعيم في الروح دون الجسد ، فيصحح الله ذلك بقوله تعالى : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ﴾ النساء 56 .

والقرآن وهو يوضح خلاصة المعتقد السليم في الذات الإلهية ، ويعلل تفرده تعالى في الذات والصفات والأفعال بقوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾  الإخلاص 3 ، 4 ، وفي دحض شبهة النصارى في ألوهية المسيح ، يعلل القرآن ذلك ، بأنه تعتريه الأحوال البشرية الناقصة من الاحتياج إلى الأكل والتخلص من آثاره ، فيقول تعالى : ﴿َ ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ ﴾ المائدة 75 ، فيدفع دعوى ألوهيته بأنه خلق من غير أب ، بمماثلته بآدم الذي خلق من غير أبوين ، وفي قياس بعلة ظاهرة في المقيس عليه : ﴿ ِإنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾  آل عمران 59 .

ولكي يجذب النص القرآني العقل إلى نجاعة أحكامه التعبدية والتشريعية والأخلاقية ، ويحرك فيه إرادة  التعليل ، فيظهر له علل بعض المحرمات ، و الحدود ، والعقود ، والتعبدات ، والحقوق والمعاملات ، ففي تحريم الخمر ، يقول تعالى : ﴿ إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ    المائدة 91 ، وفي تحريم أكل لحم الخنزير : ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ الأنعام 145 ، ويعلل شناعة فاحشة الزنا ، بقوله :   ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾  الإسراء 32 ، وقد قال في تعليل حد الزنا ، بقوله : ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾  النور 3 وقال في القذف : ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾  النور 4 ، وقد يكون التعليل القرآني لبعض المحرمات الجسدية ، موافقاً للطب الحديث ، كما في  تعليل منع معاشرة الحائض : ﴿ُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾ البقرة 222 ، يقول محمد السعدي : " يبين القرآن أن الاتصال الجنسي أثناء الحيض مضر ، ويقول العلم : إن الاتصال أثناء الحيض يؤدي إلى الالتهاب في الأعضاء التناسلية والمجاري البـولية عند الرجل والمرأة فضلاً عن الأضرار  النفسية "(1) .

            وفي سد باب الربا ، يقول تعالى : ﴿ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾  البقرة 279 .

            ويقول تعالى في مجمل العبادات والقربات : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ الحج 78 ،وتكرر علة اليسر في العبادات والالتزامات في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى :﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ البقرة 286 :﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾ الطلاق 7 ، :﴿ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ البقرة 185 ، : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾  النساء 28 .

وتوجيهاً للعقل نحو الاعتبار ، يعلل القرآن بعض الظواهر والسنن الاجتماعية والحضارية ، ومن ذلك قوله تعالى : " في ضرورة الصراع بين الأمم والحضارات : ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ ﴾  الحج 40 ، وقد ورد ذلك بصيغة مقاربة : ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ    البقرة 251 

وفي طبيعة الاختلاف بين العقول في الأفكار والمعتقدات ، يقول تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ ﴾  يونس 19 ، وتكرر هذا المعنى في آيات أخرى ، منها قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ هود 118 ، 119 .

وبسط العلة منهج قويم في التربية القرآنية ، فهذا لقمان يشير إلى علة شناعة الشرك والتكبر ، وهو يعظ ابنه : ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لقمان 13 ، ويقول تعالى : ﴿ َاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ لقمان 19 

      وقال القرآن في فضيلتي الصبر والعفو ، وهما جماع القوة الإنسانية في التمسك بالفضائل :﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ الشورى 43 .

            ولم تصل أمة إلى التجرد من النفعية الدنيوية للأخلاق كما وصلت أمة الإسلام ، التي كانت بعد التزامها بمنهج القرآن ، تطبق الفضائل في صورة   مثلى :﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ الحشر 9 ، وكان الممتثلون من المسلمين يذهبون العداوة من صدورهم امتثالاً لقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ فصلت 34 ، وهذا من شواهد أن الدافع الأخلاقي في الإسلام ليس النفعية بل القيمة الخيرية الأخلاقية ، في حين كانت الأخلاق في الحضارات الأخرى سابقة ولاحقة تتحرك بالأغراض على حسب المنافع والمطامع .

            وهكذا يعمل العقل جهده في كشف العلل في تفسير الأحكام العقدية والتشريعية والخلقية للقرآن ، ليكون نشاطه راشداً ، ولتكون الحركة العقلية للإنسان متساوقة مع ما وضعه الله من قيم الخير والعدل والكمال ، وبذلك يكون الحوار والتعليل مظهرين شاهدين على تسديد القرآن لعقل الإنسان بمنهج يتميز بالموضوعية والنزاهة والدقة في التوظيف للمقدمات والاستنباط للنتائج.

 

القرآن وحركة التأويل :-

            يبلغ العقل أقصى مداه من النشاط مع النص القرآني في حركة التأويل ، الذي هو : " تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ، وتبين المراد منه بشيء غير لفظه من القرائن والأدلة "(1) .

            وهذا المجال العقلي يحتاج إلى استعداد وجهد وأدوات ، حيث تأمل المفردات والتراكيب القرآنية ، يستمد التوفيق فيه من الإلمام باللغة وأسرارها ، والتشريع ومقاصده ، وتاريخ القرآن وأحوال خطابه .

            ولاشك أن حرفية النص تؤدي إلى تضييق دلالته ، وقد تؤدي إلى تجميده ، لأن النص عند ذلك يضيق بالحياة العقلية والحضارية المتطورة ، فالمتلقي للقرآن متعدد العصر والثقافة ، والبينة الفكرية ، والواجهة الحضارية ، فكان من الضروري أن تتسع الدلالة للتأويل ، ولا تنحصر في المعنى المحدود بزمن أو مكان ومقتضى حال بيئة القرن الأول أو جزيرة العرب ، لذلك فإن القرآن ، نقل العقل العربي من ضيق الحروف والكلمات إلى فضاء المقاصد والإيحاءات ، وصار التأويل مجالاً فاعلاً في منظومة النقد الذي يعني بإعادة النظر في المعلومات والمواقف والقضايا ، وكان ذلك ثمرة محاولات العقل في فهم أبعاد وأعماق الدلالات القرآنية ، حتى ازدهرت العلوم اللسانية والتاريخية بل والعلوم الطبيعية والعقلية عند من أفاد من مرجعية التأويل.

            فالتأويل يعقد الصلة بين العقل والوحي ، ويزيد في توظيف الأحكام العقدية والشرعية التي نزلت لتكون منهاج حياة وسبيل حضارة ، ويثار في هذا المقام سؤال إذا كان التأويل جهداً عقلياً على هدى الدلالة النصية من أجل تبيين   مراميها ، فإنه يواجه إشكالية تفاوت عقول الناس في الفهم والاقتناع .

            إن المرجعية غير مفقودة ، فهي تستمد من النص نفسه ، ففهمه فهماً تفسيرياً ظاهراً هو الخطوة الأولى ، والقاعدة الأصل التي يتحكم إليها زيادة على الأصول اللسانية والعلمية التي سبق بيانها ، يقول ابن رشد : " والسبب في ورود الشرع ، فيه الظاهر والباطن ، والمعاني التدقيقية ، والمرامي البعيدة التي يستقل بفهمها العلماء ، هو اختلاف نظر الناس ، وتباين قرائحهم في التصديق ، " والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه ، هو كنية الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها "(1) ، فيصبح التأويل نشاطاً يلائم بين مقصد النص ، وقدرة العقل ، ليس وسيلة إلى الوقوع في التناقض ، إذا كان عن علم ومنهج ، ولكن عندما يساء استخدام التأويل ، فلا شك أنه يصبح معول نقض وهدم ، وليس أداة بناء وفهم ، وهناك نصوص كثيرة قصد القرآن إلى سوقها في نظم يحتاج إلى صرفها عن ظاهرها بطريق التأويل بالمجاز أو الاشتراك ، وغيرها من القرائن ، لأنه إن جاءت ظاهرة غنية عن التأويل ، لكان العقل غير مستوعب لحقائقها ، فهي تتحدث عن قضايا غير منظورة ، وغير معهودة في الاستعمال اللغوي والعرف العقلي ، وهي فوق إدراك المتلقي من حيث القدرة على تصورها ، لا من حيث القدرة على التصديق بها ، ومما يحقق المواءمة بين التأويل والنص ، أي بين الوحي والعقل ، وما ورد من آيات تتحدث عن الصفات الإلهية ، التي أخطأ الحرفيون فحملوها على أصولها الدلالية في الوضع اللغوي لا في سياق التعبير القرآني فكان هذا التصور موقعاً في التشبيه والتجسيم ، وحملها الغائيون على المجاز تأويلاً ، فخرجوا من ذلك المحذر ، وجعلوها على غايتها لا على بدايتها ، واستمدوا مرجعية التأويل من الآيات الأخرى المحكمة من مثل قوله تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾  الشورى 11 ، وقوله تعالى : ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ الفتح 10 ، وقوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ{ ﴾  الرحمن 27 وغيرها من الآيات  المتشابهات في الصفات ، ترجع في مقصدها إلى آية الشورى ، وإن عبرت عن القدرة باليد ، وعن الرعاية بالعين ، وعن الذات الإلهية بالوجه ، ويدخل التأويل في آيات التشريع والإخبار بالمعاني الأخرى ، ففي قوله تعالى : ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ الأنفال 60 .

            فإعمال العقل في الآية ومقصدها ، يحرك معناها إلى ما هو أبعد من رباط الخيل بل المقصود بلوغ الغاية في إعداد القوة .

وتتعدد أوجه الدلالات المستفادة من التأويل ، فقد يكون توضيح ملتبس ، ودفع متوهم ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ غافر 60 ، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المعنى المقيد للاستجابة بأن يكون الداعي منزها عن التعدي والتلبس بالحرام أو يكون مصراً على المعصية ، مباشراً لها وقت الدعاء ، أو داعياً الله لتحصيلها ، ففسر الدعاء بالعبادة .

            وسياق الآية بين جملتيها يساعد على هذا المعنى ، فقد قال تعالى في ختامها : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ غافر 60 ، فكان التأويل لافتاً إلى قضية جوهرية في التفسير ، وهي النظر في نظم الوحدة المعنوية ، وقد يكون التأويل تخصيصاً لعام ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بين نصين ، فدل من خلال تلك المقابلة على تخصيص معنى ظاهر في إحدى الآيتين بمعنى آخر أظهر منه ، كما في الجمع بين قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ الأنعام 83 ، وبين قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لقمان 12 ، فأصبح المراد بالظلم نوعاً خاصاً  وهو ظلم النفس بالإشراك وقد يعين التأويل على فهم حكم شرعي غير محدد الدلالة بإدراك ما يخالفه أو يوافقه ، كما فسر أبو بكر رضي الله عنه الكلالة بأنها ما عدا الوالد والولد من تأويل قوله تعالى : ﴿ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا ﴾ النساء 176 . فقد بينت الآية نفسها انتفاء الفرع الوارث في دلالة الكلالة ، وبينت آية أخرى أن الوالد يرث ما بقي من الميراث بعد نصيب الأم ، وذلك بالسكوت عن ذكر نصيب الأب بعد ذكر نصيبها في قوله تعالى : ﴿  فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾   النساء 11 .

            فالتأويل عمل عقلي يتسق مع طبيعة النص القرآني الذي لا تنقضي ومضاته الإيحائية ، وإن من يرفض التأويل يجني على العقول في الفهم ، وعلى النص القرآني في الإعجاز ، أما استشهاد من يمنع التأويل من الحرفيين بقوله تعالى : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ ﴾ آل عمران 6 ، فمقصود الآية أن الله وحده يعلم مرجع المعنى القرآني على سبيل الجزم المطلق ، أما الإنسان فلا يعلم به على سبيل الجزم والإحاطة .

            فالآية في معرض النهي عن الفتنة بالتأويل ،وليس على منع أصل التأويل ، وفرق بين التأويل المنضبط بمقتضيات أصول النص ، وإيقاعات السياق ومقاصد الخطاب ، والقرائن اللغوية والعقلية ،ويبين التأويل الذي يستجيب للنظرة العابرة والرغبة العابثة ، ومن استقام منهجه على الحق لم يزغ عنه في تفسير ولا تأويل ، ولا في استدلال ولا تعليل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

 



(1)  تكوين العقل العربي ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط الخامسة ، 1991 ف ، ص 29 .

(1) تكوين العقل العربي ، ص 31 .

(2) م . ن ص 31 .

(3) نجيب الحصادي ، أوهام الخلط ، جامعة قاريونس ، ط أولى ، 1989ف ، ص 147 .

(4)  .الجابري ، المرجع السابق ، ص 136 .

(1) العقاد ، التفكير فريضة إسلامية ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني ، ط ثانية 1971ف ، ص 21 .

(2) ابن عاشور : التحرير والتنوير : 4/197 .

(1) رسالة التوحيد : ص 52 .

(1) دراسات إسلامية ، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، ط  أولى 1986ف ، ص 45 .

(1) ابن منظور : لسان العرب ، بيروت ، دار الجبل ، 1988ف ، 1/13 .

(1)  ابن منظور : لسان العرب ، بيروت ، دار الجبل ، 1988ف : 1/131 .