حركة اللجان الثورية حركة سياسية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب

 
   
 

  طباعــــــة

ارسل لصديق  

 

الدولة موضع سؤال ؟ إصـلاح الـدولة : وفـق مـاذا؟ (2)
 

في الحقيقة المشكلة التي أفضت إلى مطلب إصلاح الدولة ، لاتكمن فقط في حاجة الدولة للإصلاح، هذا وحده لايحل مشكلة . دواعي الإصلاح ليست فقط عدم فعالية الإدارة العمومية ، نحن نعرف ، أن الإدارة الخاصة ، اليوم ، لاتختلف كثيراً عن الإدارة العمومية ، الملاك في القطاع الخاص ، غالبا لايديرون ، ومن يدير ليس مالكا ، بل أجيراً . وإذا كان الأمر يتعلق بفعالية الإدارة ، وسلبياتها ، فإنه يجب البحث في كيفية تفعيل الإدارة، والقضاء على سلبياتها ، وهذا من ناحية ليس مستحيلا ..

كما أنه سوف يظل حاجة قائمة في القطاع العمومي كما في القطاع الخاص ، وهذا مايشهد عليه تطور الإدارة في القطاعين ، في كل بلدان العالم ذلك أيضاً لأن تفعيل الإدارة لايقتصر فقط على الإدارة العمومية ، تحويل القطاع العمومي ، إلى قطاع خاص ، يتكفل به السوق ، لن يحل مشكلة عدم فعالية أو ضعف أو سوء الإدارة ، إذ ليس من المعقول ، والفعلة هم نفس الفعلة، أن الإدارة الخاصة تكون أقدر وأكثر فعالية من الإدارة العمومية ، أمراض الإدارة العمومية فساد ، رشوة ، محسوبية ، تسيب ، موجودة أيضاً ، وربما أسوأ ، في الإدارة الخاصة . ذلك لأن الأمر يتعلق بعوامل تؤثر معاً في الإدارة العمومية والخاصة . منها المستوى التعليمي ، والكفاءة الشخصية ، عندئذ خوصصت الإدارة العمومية لن تحل مشكلة عدم فعاليتها ، بل ربما سوف ترتب مشكلات إضافية ، أخرى أقلها التسلط الخاص . إذن يجب التمييز بين مطلب تفعيل الإدارة ، وهو مطلب شرعي ، ينطبق على الإدارة العمومية كما على الإدارة الخاصة ، التجربة العملية تشهد على أن إدارة العيادات الخاصة، والمدارس الخاصة ، والتجارة الخاصة، ليست أفضل من إدارة المستشفيات العمومية والمدارس العمومية . والأسواق الشعبية . وكل من يتعامل معها يعرف هذا جيداً ، لأن الأمر ، ماقبل العمومي والخاص ، يتعلق بالعنصر البشري ، ولايصلح من شأنه اليافطة التي يعمل تحتها .

من ينتظر معجزة من القطاع الخاص ، سوف يكون مصيره الإحباط . السوق ليس إلهاً ، ولايمكنه حتى إصلاح اختلالاته.

مطلب تفعيل الإدارة ضروري وشرعي ، بغض النظر عن كونها عمومية أو خاصة ، فإن هذا لايعفي الدولة من التزاماتها ، إذن يجب النظر في كيف نفعّل الإدارة ، وهذا يحيلنا إلى التعليم ، وإلى أن طريق الخوصصة يتبدى عقيماً .

هكذا إلى جانب سوء الإدارة ، وسلبياتها ، وعدم فعاليتها ، والتي قلنا لاتنحصر في القطاع العمومي وحده ، كما أن الفساد ، بأنواعه ، متوفر أيضاً في القطاع الخاص ، ولا يعفي الدولة من رقابته وقمعه حتى في القطاع الخاص، فإن المشكلة الحقيقية هي تمويل القطاعات الخدمية العمومية . وهل تحويلها إلى قطاعات خاصة يحل مشكلة تمويلها ؟

بكل تأكيد القطاعات الخدمية العمومية ، تتطلب أموالا، لكن خوصصتها أيضا تتطلب نفقات ، وإذا كانت الدولة عاجزة غير قادرة على الوفاء بمتطلبات القطاعات الخدمية العمومية ، فكيف يكون الناس قادرين ؟

المسألة إذن ليست فقط سوء الإدارة في القطاع العمومي وإنما تمويل نفقاته . وعندما تعجز الدولة ، يوما ما ، بسبب توقف عائدات النفط مثلا ، فإن الناس أيضاً عندئذ سوف يعجزون، ذلك لأن مصدر النفقات واحد ، تولتها الدولة أم تولاها الأفراد ، النتيجة ، في الحالتين ، لن يكون هناك قطاعات خدمية . مع ذلك ، إذا نظرنا في تكاليف قطاع ، مثل التعليم ، بالنسبة لكل فرد ، فإنها تكون أقل ، عندما تتولاه الدولة ، منها عندما يتولاها الأفراد . ذلك لأن تكاليف التعليم ، لقطاع عمومي يساهم فيها كل أفراد المجتمع ، وليس فقط الذين يوجدون في مؤسسات التعليم ، في فترة معينة ، وهذا يعتبر عدلاً ، قطاع التعليم لايجب أن يموله الذين يتعلمون في مرحلة معينة ، وإنما كل الذين تعلموا في الماضي . توزيع تكاليف قطاع مثل التعليم ، على كل أفراد المجتمع ، يخفف من تكاليفه بالنسبة لكل فرد . لكن هذا يقتضي أن يكون قطاعاً عمومياً .

عندئذ الحل الأمثل ليس خوصصة مثل هذه القطاعات . وإنما العمل على إيجاد بدائل لثروة النفط . وهذا في ظروف بلد مثل بلدنا ، غير ممكن إذا لم تقم به الدولة . في بلدان أخرى ، يضرب بها المثل في خوصصة التعليم ، مثلا يُجرى تجاهل مستواها الاقتصادي ، ومعدل دخل الفرد ، ومع ذلك فإن الدولة ، في هذه البلدان ، تساهم أيضاً في تمويل التعليم .

التعليم في هذه البلدان ، يمول من خلال ـ الجامعات ، خاصة ، تبيع خبرتها للشركات ، فهي مراكز بحوث أساساً فأين الشركات التي تشتري هذه الخبرة من جامعاتنا ؟

ـ الدولة تدير جامعات عمومية ، وتساهم في نفقات الجامعات الخاصة .

ـ أولياء الأمور .

إضافة إلى الهبات والتبرعات ، من الأغنياء بهدف تخفيض الضرائب على ثرواتهم .

لو اقتصر الأمر على أولياء الأمور ، مهما كانت قدرتهم المالية، فإنه لايكفي لإدارة العملية التعليمية . الخاسر عندئذ ليس الذين يحرمون من التعليم فقط ، وإنما المجتمع الذي يبذر هكذا ثروته البشرية.

ومع ذلك التعليم الأساسي ، في أغلب هذه البلدان ، قطاعاً عمومياً تتولاه الدولة .

وأخيراً حتى لو وصفنا الدولة ، كما فعل ريقان، بأنها شر ، وأنها ليست حلا لمشكلة ، وإنما هي المشكلة ، فإن الدولة تظل شراً لامفر منه ، والمشكلة الأقل بالنسبة لغيرها . إذ يمكن التحكم في شرها من خلال الديمقراطية المباشرة .

في مجتمعات لايزال مستوى شعبها اقتصاديا متدنياً، وعولمة تضع فيتو على تنميتها ، حين تنفتح عليها ، فإن إطلاق العنان للخواص لن يصنع تنمية ، ربما تكون بديلا للنفط ، وإنما الإغراق أكثر في الاستهلاك ، وتبذير ثروة النفط ، دون حتى محاولة إيجاد بديل له . صحيح القطاع العمومي ربما لايصنع التنمية المطلوبة ، لكن من المؤكد قطعاً أن القطاع الخاص لن يحاول حتى المحاولة . وهذا لايعفي الدولة من مسؤوليتها . القطاع العمومي هو شعور الدولة بمسؤوليتها . الدولة شر ، الدولة مشكلة ، ربما ، لكن لامفر منها ، إذن لقمع شرها وتد جنيها وجدت الديمقراطية المباشرة .

الفصل الأول من الكتاب الأخضر ، يتأسس على هذه المسلمة : الدولة شر ، الدولة يمكن أن تكون مصدر طغيان لامثيل له ، لكن حيث إنه لايمكن إلغاء الدولة . وحيث إن مزاعم اضمحلال الدولة ، جعلت لينين يؤسس أسوأ دولة ، دولة لاتعي نفسها كدولة ، إذن يجب سيطرة الناس عليها ، من خلال الديمقراطية المباشرة ، والتي تجعل منها دولة كل الناس ، وتحولها من أخطر مؤسسة اخترعها الإنسان، إلى أقوى مؤسسة في خدمة الناس الدولة الجماهيرية ، هذه ، ليست فقط الأجهزة التنفيذية ، هذه ليست ولايجب أن تكون إلا تنفيذية ، تحت سيادة المشرع : المؤتمرات الشعبية . إذن كل نقد يوجه للدولة ، على أنها الأجهزة التنفيذية ، لايتعلق بالدولة ، وإنما بأجهزتها التنفيذية ، والخلط بين الدولة وبين أجهزتها التنفيذية يمكن أن يقود إلى مالاتحمد عقباه . وإذا اعتبرت الدولة على هذا أجهزة تنفيذية ، سيئة ، فاسدة ، أخطبوطاً، وسلبية غير فعالة ، وهذه حجج تبرير سحب بعض القطاعات منها ، فكيف يترك لهذه المزعومة دولة ، أخطر وأهم القطاعات وهي القطاعات الأمنية ـ البوليس والجيش ـ؟ منطقياً ، وعقلانياً ، إذا كانت هذه الدولة كما توصف ، فأن أولى القطاعات بأن تسحب منها هي القطاعات الأمنية قبل غيرها ، لكن المسألة عندئذ ليست سحب قطاعات وإبقاء قطاعات تابعة لهذه الدولة ، وإنما إعادة تأسيس أو تفعيل الدولة ، لأن كون الدولة ، كما نتهمها ، سلبيات ، وعيوب ، ومفاسد ، يطرح أيضا فيمايتعلق بالقطاعات الأمنية، وإذا سلمنا بأن الدولة هي .. كما نصفها ، فإنه لايوجد ضمان أن هذه المآخذ لاتنطبق أيضاً على هذه القطاعات ، خطورة وأهمية هذه القطاعات ستضاعف من سلبيات هذه الدولة ، عما هي عليه في قطاعات أخرى ، عندئذ المسألة ليست سحب بعض القطاعات من الدولة ، وإبقاء قطاعات أخرى تابعة لها ، فهذا لايجدي ، وإنما إعادة تأسيس أو تفعيل الدولة .

سلبيات الدولة ، كدولة ، مهما كانت ، مقدور عليها ، إصلاحها ليس مستحيلا ، وضبط أدائها ممكن جداً بفضل الديمقراطية ، خاصة المباشرة ، لكن عندما تكون الدولة في مبدئها نفسه ، موضوع اتهام، كما تذهب بعض الأصوات ، فإننا يجب أن نبحث عن الأسباب فيما وراء مايدفع به من مبررات . هكذا عداؤنا الشديد للدولة ، حتى وإن كانت دولتنا ، يتطلب تفسيراً. أبعد من كونها ، ولمدة طويلة ، دولة فرضت علينا ، أجنبية حينا ، غريبة عنا أحيانا أخرى ، مهمتها تطويعنا وإخضاعنا وليس خدمتنا ، وتنظيم علاقاتنا . وأكثر من العوامل السياسية ، والاقتصادية ، وحتى سلوكيات بعض المكلفين بمؤسساتها : إنها عقليتنا ، إنها نفسيتنا التي ظلت بدوية .

لقد استوردنا أكثر الأجهزة حداثة وتقدماً ، واستخدمنا كل التجهيزات التقنية المتقدمة : ركبنا السيارات ، والطائرات ، واستخدمنا الهاتف النقال ، وتخابرنا بالأقمار الصناعية ، ولكن نفسيتنا ظلت بدوية ، تكره الدولة في ذاتها ، لأنها نظام لاتراه إلا قيداً حتى وإن كان في صالحنا .

الدولة تكون كما نريد لها أن تكون ، في مجتمع الديمقراطية المباشرة ، ليست الدولة مفروضة علينا ، لكن نحن نريدها تجمع بداوة ، ثم نأخذ عليها مايترتب على هذا ضرورة. أخشى جداً أن مانأخذه على الدولة من عيوب ، ليس لأنها دولة ، وإنما لأنها ليست بعد الدولة التي نريد ، في ديمقراطية مباشرة ، عندئذ مايترتب عن غياب هذه الدولة ، أو عن عدم اكتمالها ، نعزوه لما نظنه دولة . وهذا يخاطر بأن يجعل إصلاح الدولة حوار طرشان ، أو حلقة مفرغة .

علينا إذن اختراع هذه الدولة ، الطريق إليها واضح ، والنظرية لدينا ، ينقصنا وضعها أو تصويب وضعها في التطبيق ، أي النظام الذي يجسد النظرية : لادولة بدون ديمقراطية ، ولاديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية ولجان شعبية .

طرح موضوع إصلاح الدولة للنقاش ، يمكن أن يكون ، هكذا فرصة تفكير عميق وواسع ، يضع أسس هذه الدولة ، التي لاسوابق لها . إننا أمام الدولة الجماهيرية ، ماكانه الفرنسيون عام 1789 أمام الجمهورية ..: كان عليهم اختراع الدولة الجمهورية ، كما علينا اليوم اختراع الدولة الجماهيرية .. إذن لايمكن إصلاح دولة لم يحدد مسبقاً وفق ماذا يجري هذا الإصلاح .

إصلاح الدولة ، دولتنا الجماهيرية ، أمر ضرورى ، يعبر عن ترسخ قيمها . لكن :

لنحذر أن يجرى وفق مالانريده ، إذا فوضنا فيه الأمر للجان .

ولنحذر أن نستعير عناصر من دولة أخرى ، هي أكثر تأزماً ، و يجعل الإصلاح تشويها ، أوربما حتى انقلاباً . بداوتنا ، مصدر كراهية الدولة ، يمكن ، على العكس ، أن تكون عاملا إيجابيا ، في مجتمع لم يعان صراع الساسة المحترفين ، ونزاعات الأحزاب ، ودجل النــواب ..

إننى أكتب وأمام ناظري ، ليس فقط مشكلات اليوم ، وإنما أيضاً رهان المستقبل . مشكلات اليوم لاأقلل من شأنها ، لكن حلها لايجب أن يرهن المستقبل .

أجدادنا وآباؤنا علموا الناس الجهاد ، في زمن ساده الاستعمار ، فهل نعلّم الناس، اليوم ، اختراع دولة جديدة .. دولتهم .. حيث لانيابة ولاتفويض ، لاحاكم ولامحكوم ، بل إخوة أحرار في مجتمع منظم ؟!

الأجيال القادمة سوف تلعننا ، إذا أفلتنا فرصة افتتاح مرحلة تاريخية جديدة ، في مسيرة الإنسان نحو الحرية: مرحلة سيادة الجماهير..

----------------------------------------------------------------------------------------------
 أ. د. رجب أبودبوس