|
في الحقيقة المشكلة
التي أفضت إلى مطلب
إصلاح الدولة ،
لاتكمن فقط في حاجة
الدولة للإصلاح، هذا
وحده لايحل مشكلة .
دواعي الإصلاح ليست
فقط عدم فعالية
الإدارة العمومية ،
نحن نعرف ، أن
الإدارة الخاصة ،
اليوم ، لاتختلف
كثيراً عن الإدارة
العمومية ، الملاك في
القطاع الخاص ، غالبا
لايديرون ، ومن يدير
ليس مالكا ، بل
أجيراً . وإذا كان
الأمر يتعلق بفعالية
الإدارة ، وسلبياتها
، فإنه يجب البحث في
كيفية تفعيل الإدارة،
والقضاء على سلبياتها
، وهذا من ناحية ليس
مستحيلا ..
كما أنه سوف يظل حاجة
قائمة في القطاع
العمومي كما في
القطاع الخاص ، وهذا
مايشهد عليه تطور
الإدارة في القطاعين
، في كل بلدان العالم
ذلك أيضاً لأن تفعيل
الإدارة لايقتصر فقط
على الإدارة العمومية
، تحويل القطاع
العمومي ، إلى قطاع
خاص ، يتكفل به السوق
، لن يحل مشكلة عدم
فعالية أو ضعف أو سوء
الإدارة ، إذ ليس من
المعقول ، والفعلة هم
نفس الفعلة، أن
الإدارة الخاصة تكون
أقدر وأكثر فعالية من
الإدارة العمومية ،
أمراض الإدارة
العمومية فساد ، رشوة
، محسوبية ، تسيب ،
موجودة أيضاً ، وربما
أسوأ ، في الإدارة
الخاصة . ذلك لأن
الأمر يتعلق بعوامل
تؤثر معاً في الإدارة
العمومية والخاصة .
منها المستوى
التعليمي ، والكفاءة
الشخصية ، عندئذ
خوصصت الإدارة
العمومية لن تحل
مشكلة عدم فعاليتها ،
بل ربما سوف ترتب
مشكلات إضافية ، أخرى
أقلها التسلط الخاص .
إذن يجب التمييز بين
مطلب تفعيل الإدارة ،
وهو مطلب شرعي ،
ينطبق على الإدارة
العمومية كما على
الإدارة الخاصة ،
التجربة العملية تشهد
على أن إدارة
العيادات الخاصة،
والمدارس الخاصة ،
والتجارة الخاصة،
ليست أفضل من إدارة
المستشفيات العمومية
والمدارس العمومية .
والأسواق الشعبية .
وكل من يتعامل معها
يعرف هذا جيداً ، لأن
الأمر ، ماقبل
العمومي والخاص ،
يتعلق بالعنصر البشري
، ولايصلح من شأنه
اليافطة التي يعمل
تحتها .
من ينتظر معجزة من
القطاع الخاص ، سوف
يكون مصيره الإحباط .
السوق ليس إلهاً ،
ولايمكنه حتى إصلاح
اختلالاته.
مطلب تفعيل الإدارة
ضروري وشرعي ، بغض
النظر عن كونها
عمومية أو خاصة ، فإن
هذا لايعفي الدولة من
التزاماتها ، إذن يجب
النظر في كيف نفعّل
الإدارة ، وهذا
يحيلنا إلى التعليم ،
وإلى أن طريق الخوصصة
يتبدى عقيماً .
هكذا إلى جانب سوء
الإدارة ، وسلبياتها
، وعدم فعاليتها ،
والتي قلنا لاتنحصر
في القطاع العمومي
وحده ، كما أن الفساد
، بأنواعه ، متوفر
أيضاً في القطاع
الخاص ، ولا يعفي
الدولة من رقابته
وقمعه حتى في القطاع
الخاص، فإن المشكلة
الحقيقية هي تمويل
القطاعات الخدمية
العمومية . وهل
تحويلها إلى قطاعات
خاصة يحل مشكلة
تمويلها ؟
بكل تأكيد القطاعات
الخدمية العمومية ،
تتطلب أموالا، لكن
خوصصتها أيضا تتطلب
نفقات ، وإذا كانت
الدولة عاجزة غير
قادرة على الوفاء
بمتطلبات القطاعات
الخدمية العمومية ،
فكيف يكون الناس
قادرين ؟
المسألة إذن ليست فقط
سوء الإدارة في
القطاع العمومي وإنما
تمويل نفقاته .
وعندما تعجز الدولة ،
يوما ما ، بسبب توقف
عائدات النفط مثلا ،
فإن الناس أيضاً
عندئذ سوف يعجزون،
ذلك لأن مصدر النفقات
واحد ، تولتها الدولة
أم تولاها الأفراد ،
النتيجة ، في
الحالتين ، لن يكون
هناك قطاعات خدمية .
مع ذلك ، إذا نظرنا
في تكاليف قطاع ، مثل
التعليم ، بالنسبة
لكل فرد ، فإنها تكون
أقل ، عندما تتولاه
الدولة ، منها عندما
يتولاها الأفراد .
ذلك لأن تكاليف
التعليم ، لقطاع
عمومي يساهم فيها كل
أفراد المجتمع ، وليس
فقط الذين يوجدون في
مؤسسات التعليم ، في
فترة معينة ، وهذا
يعتبر عدلاً ، قطاع
التعليم لايجب أن
يموله الذين يتعلمون
في مرحلة معينة ،
وإنما كل الذين
تعلموا في الماضي .
توزيع تكاليف قطاع
مثل التعليم ، على كل
أفراد المجتمع ، يخفف
من تكاليفه بالنسبة
لكل فرد . لكن هذا
يقتضي أن يكون قطاعاً
عمومياً .
عندئذ الحل الأمثل
ليس خوصصة مثل هذه
القطاعات . وإنما
العمل على إيجاد
بدائل لثروة النفط .
وهذا في ظروف بلد مثل
بلدنا ، غير ممكن إذا
لم تقم به الدولة .
في بلدان أخرى ، يضرب
بها المثل في خوصصة
التعليم ، مثلا يُجرى
تجاهل مستواها
الاقتصادي ، ومعدل
دخل الفرد ، ومع ذلك
فإن الدولة ، في هذه
البلدان ، تساهم
أيضاً في تمويل
التعليم .
التعليم في هذه
البلدان ، يمول من
خلال ـ الجامعات ،
خاصة ، تبيع خبرتها
للشركات ، فهي مراكز
بحوث أساساً فأين
الشركات التي تشتري
هذه الخبرة من
جامعاتنا ؟
ـ الدولة تدير جامعات
عمومية ، وتساهم في
نفقات الجامعات
الخاصة .
ـ أولياء الأمور .
إضافة إلى الهبات
والتبرعات ، من
الأغنياء بهدف تخفيض
الضرائب على ثرواتهم
.
لو اقتصر الأمر على
أولياء الأمور ، مهما
كانت قدرتهم المالية،
فإنه لايكفي لإدارة
العملية التعليمية .
الخاسر عندئذ ليس
الذين يحرمون من
التعليم فقط ، وإنما
المجتمع الذي يبذر
هكذا ثروته البشرية.
ومع ذلك التعليم
الأساسي ، في أغلب
هذه البلدان ، قطاعاً
عمومياً تتولاه
الدولة .
وأخيراً حتى لو وصفنا
الدولة ، كما فعل
ريقان، بأنها شر ،
وأنها ليست حلا
لمشكلة ، وإنما هي
المشكلة ، فإن الدولة
تظل شراً لامفر منه ،
والمشكلة الأقل
بالنسبة لغيرها . إذ
يمكن التحكم في شرها
من خلال الديمقراطية
المباشرة .
في مجتمعات لايزال
مستوى شعبها اقتصاديا
متدنياً، وعولمة تضع
فيتو على تنميتها ،
حين تنفتح عليها ،
فإن إطلاق العنان
للخواص لن يصنع تنمية
، ربما تكون بديلا
للنفط ، وإنما
الإغراق أكثر في
الاستهلاك ، وتبذير
ثروة النفط ، دون حتى
محاولة إيجاد بديل له
. صحيح القطاع
العمومي ربما لايصنع
التنمية المطلوبة ،
لكن من المؤكد قطعاً
أن القطاع الخاص لن
يحاول حتى المحاولة .
وهذا لايعفي الدولة
من مسؤوليتها .
القطاع العمومي هو
شعور الدولة
بمسؤوليتها . الدولة
شر ، الدولة مشكلة ،
ربما ، لكن لامفر
منها ، إذن لقمع شرها
وتد جنيها وجدت
الديمقراطية المباشرة
.
الفصل الأول من
الكتاب الأخضر ،
يتأسس على هذه
المسلمة : الدولة شر
، الدولة يمكن أن
تكون مصدر طغيان
لامثيل له ، لكن حيث
إنه لايمكن إلغاء
الدولة . وحيث إن
مزاعم اضمحلال الدولة
، جعلت لينين يؤسس
أسوأ دولة ، دولة
لاتعي نفسها كدولة ،
إذن يجب سيطرة الناس
عليها ، من خلال
الديمقراطية المباشرة
، والتي تجعل منها
دولة كل الناس ،
وتحولها من أخطر
مؤسسة اخترعها
الإنسان، إلى أقوى
مؤسسة في خدمة الناس
الدولة الجماهيرية ،
هذه ، ليست فقط
الأجهزة التنفيذية ،
هذه ليست ولايجب أن
تكون إلا تنفيذية ،
تحت سيادة المشرع :
المؤتمرات الشعبية .
إذن كل نقد يوجه
للدولة ، على أنها
الأجهزة التنفيذية ،
لايتعلق بالدولة ،
وإنما بأجهزتها
التنفيذية ، والخلط
بين الدولة وبين
أجهزتها التنفيذية
يمكن أن يقود إلى
مالاتحمد عقباه .
وإذا اعتبرت الدولة
على هذا أجهزة
تنفيذية ، سيئة ،
فاسدة ، أخطبوطاً،
وسلبية غير فعالة ،
وهذه حجج تبرير سحب
بعض القطاعات منها ،
فكيف يترك لهذه
المزعومة دولة ، أخطر
وأهم القطاعات وهي
القطاعات الأمنية ـ
البوليس والجيش ـ؟
منطقياً ، وعقلانياً
، إذا كانت هذه
الدولة كما توصف ،
فأن أولى القطاعات
بأن تسحب منها هي
القطاعات الأمنية قبل
غيرها ، لكن المسألة
عندئذ ليست سحب
قطاعات وإبقاء قطاعات
تابعة لهذه الدولة ،
وإنما إعادة تأسيس أو
تفعيل الدولة ، لأن
كون الدولة ، كما
نتهمها ، سلبيات ،
وعيوب ، ومفاسد ،
يطرح أيضا فيمايتعلق
بالقطاعات الأمنية،
وإذا سلمنا بأن
الدولة هي .. كما
نصفها ، فإنه لايوجد
ضمان أن هذه المآخذ
لاتنطبق أيضاً على
هذه القطاعات ، خطورة
وأهمية هذه القطاعات
ستضاعف من سلبيات هذه
الدولة ، عما هي عليه
في قطاعات أخرى ،
عندئذ المسألة ليست
سحب بعض القطاعات من
الدولة ، وإبقاء
قطاعات أخرى تابعة
لها ، فهذا لايجدي ،
وإنما إعادة تأسيس أو
تفعيل الدولة .
سلبيات الدولة ،
كدولة ، مهما كانت ،
مقدور عليها ،
إصلاحها ليس مستحيلا
، وضبط أدائها ممكن
جداً بفضل
الديمقراطية ، خاصة
المباشرة ، لكن عندما
تكون الدولة في
مبدئها نفسه ، موضوع
اتهام، كما تذهب بعض
الأصوات ، فإننا يجب
أن نبحث عن الأسباب
فيما وراء مايدفع به
من مبررات . هكذا
عداؤنا الشديد للدولة
، حتى وإن كانت
دولتنا ، يتطلب
تفسيراً. أبعد من
كونها ، ولمدة طويلة
، دولة فرضت علينا ،
أجنبية حينا ، غريبة
عنا أحيانا أخرى ،
مهمتها تطويعنا
وإخضاعنا وليس خدمتنا
، وتنظيم علاقاتنا .
وأكثر من العوامل
السياسية ،
والاقتصادية ، وحتى
سلوكيات بعض المكلفين
بمؤسساتها : إنها
عقليتنا ، إنها
نفسيتنا التي ظلت
بدوية .
لقد استوردنا أكثر
الأجهزة حداثة
وتقدماً ، واستخدمنا
كل التجهيزات التقنية
المتقدمة : ركبنا
السيارات ، والطائرات
، واستخدمنا الهاتف
النقال ، وتخابرنا
بالأقمار الصناعية ،
ولكن نفسيتنا ظلت
بدوية ، تكره الدولة
في ذاتها ، لأنها
نظام لاتراه إلا
قيداً حتى وإن كان في
صالحنا .
الدولة تكون كما نريد
لها أن تكون ، في
مجتمع الديمقراطية
المباشرة ، ليست
الدولة مفروضة علينا
، لكن نحن نريدها
تجمع بداوة ، ثم نأخذ
عليها مايترتب على
هذا ضرورة. أخشى جداً
أن مانأخذه على
الدولة من عيوب ، ليس
لأنها دولة ، وإنما
لأنها ليست بعد
الدولة التي نريد ،
في ديمقراطية مباشرة
، عندئذ مايترتب عن
غياب هذه الدولة ، أو
عن عدم اكتمالها ،
نعزوه لما نظنه دولة
. وهذا يخاطر بأن
يجعل إصلاح الدولة
حوار طرشان ، أو حلقة
مفرغة .
علينا إذن اختراع هذه
الدولة ، الطريق
إليها واضح ،
والنظرية لدينا ،
ينقصنا وضعها أو
تصويب وضعها في
التطبيق ، أي النظام
الذي يجسد النظرية :
لادولة بدون
ديمقراطية ،
ولاديمقراطية بدون
مؤتمرات شعبية ولجان
شعبية .
طرح موضوع إصلاح
الدولة للنقاش ، يمكن
أن يكون ، هكذا فرصة
تفكير عميق وواسع ،
يضع أسس هذه الدولة ،
التي لاسوابق لها .
إننا أمام الدولة
الجماهيرية ، ماكانه
الفرنسيون عام 1789
أمام الجمهورية ..:
كان عليهم اختراع
الدولة الجمهورية ،
كما علينا اليوم
اختراع الدولة
الجماهيرية .. إذن
لايمكن إصلاح دولة لم
يحدد مسبقاً وفق ماذا
يجري هذا الإصلاح .
إصلاح الدولة ،
دولتنا الجماهيرية ،
أمر ضرورى ، يعبر عن
ترسخ قيمها . لكن :
لنحذر أن يجرى وفق
مالانريده ، إذا
فوضنا فيه الأمر
للجان .
ولنحذر أن نستعير
عناصر من دولة أخرى ،
هي أكثر تأزماً ، و
يجعل الإصلاح تشويها
، أوربما حتى
انقلاباً . بداوتنا ،
مصدر كراهية الدولة ،
يمكن ، على العكس ،
أن تكون عاملا
إيجابيا ، في مجتمع
لم يعان صراع الساسة
المحترفين ، ونزاعات
الأحزاب ، ودجل
النــواب ..
إننى أكتب وأمام
ناظري ، ليس فقط
مشكلات اليوم ، وإنما
أيضاً رهان المستقبل
. مشكلات اليوم
لاأقلل من شأنها ،
لكن حلها لايجب أن
يرهن المستقبل .
أجدادنا وآباؤنا
علموا الناس الجهاد ،
في زمن ساده
الاستعمار ، فهل
نعلّم الناس، اليوم ،
اختراع دولة جديدة ..
دولتهم .. حيث
لانيابة ولاتفويض ،
لاحاكم ولامحكوم ، بل
إخوة أحرار في مجتمع
منظم ؟!
الأجيال القادمة سوف
تلعننا ، إذا أفلتنا
فرصة افتتاح مرحلة
تاريخية جديدة ، في
مسيرة الإنسان نحو
الحرية: مرحلة سيادة
الجماهير.. |