حركة اللجان الثورية حركة سياسية ثقافية تدعو لقيام سلطة الشعب

 
   
 

  طباعــــــة

ارسل لصديق  

الدولة موضع سؤال ؟ إصـلاح الـدولة : وفـق مـاذا؟ (2)           

الدولة موضع سؤال ؟ إصـلاح الـدولة : وفـق مـاذا؟(1)  
 

من حيث المبدأ ، إصلاح الدولة آمر لا اعتراض عليه ولا شبهة فيه ، ذلك لأن الدولة ليست الهدف ، وإنما هي وسيلة ، ولا حرج في إصلاح الوسيلة ، إذا تبين أنها لا تحقق الهدف منها ، أو أنها ، لظروف ما ، حادث عنه ، لكن هذا يتطلب أولا تحديد الهدف الذي تخدمه الدولة ، وطبيعة هذه الدولة.
تحديد طبيعة الدولة ، المطلوب إصلاحها ، والهدف منها ، يحدد ليس فقط شكل الدولة ، وإنما أيضاً الإصلاح المطلوب .
كل إصلاح جاد ، لكي يكون مجديا ، لا يجب أن يجرى عميانيا ، ولا ارتجاليا ، أنه يتطلب أولا تحديد الهدف الذي يسعى نحوه الإصلاح ، والاتفاق الاجتماعي عليه ، ولكي يكون شرعياً .

الدولة ليست هدفاً في حد ذاتها ، أنها وسيلة نحو هدف ، الدولة كما أعرفها ، هي ضبط وتقنين السلطان ، الذي هو نتاج اجتماعي ، والذي يقتضي الديمقراطية . وإذن الدولة هي وسيلة هذا التقنين ، وهذا الضبط ، والذي بدونه ،يمكن أن يوجد سلطان مطلق يرتد سلباً على مصدره الاجتماعي .
ولما كانت الدولة وسيلة نحو هدف ، تخدم هدفا ، وإذا تبين ، في مرحلة ما من التطور الاجتماعي، أن شكلا من أشكال الدولة ، لا يحقق الهدف المطلوب ، أو أنه يحيد عن الهدف المطلوب، فإن إصلاح الدولة هذه يتبدى أمراً ضروريا ولكن هذا الإصلاح يجب أن يجرى وفق الهدف المطلوب اجتماعيا .
الإصلاح هكذا آمر ضروري ، وإذا تبدى شكل الدولة القائمة ، إما إنه لا يحقق الهدف ، كليا ، أو جزئيا ، وإما أنه ، لعوامل معينة ، حاد عن الهدف ، الإصلاح عندئذ يعني تصويب الدولة انطلاقا من الهدف.
منطقيا ، عندئذ ، قبل التفكير والشروع في إصلاح الدولة ، يجب تحديد الهدف منها بدقة ، ذلك لأن تحديد الهدف الاجتماعي من الدولة ضروري جداً في عملية إصلاح الدولة ، فهو يحدد أيضا طبيعة الدولة المطلوبة ومن ثم دورها.
هكذا لا يمكن إصلاح الدولة خارج الديمقراطية ، هذا يجعل ، منذ البداية ، متناقضة مع كونها أداة ضبط وتقنين السلطان الاجتماعي ، من قبل المجتمع ، وإذن متناقضة مع الديمقراطية، مما يطرح عاجلا ، أو أجلا ضرورة إصلاحها مجددا .
إذا ما شرع في إصلاح الدولة ، دون تحديد دقيق للهدف الأساس من الدولة ، والذي يخدد أيضا طبيعتها وشكلها ، فإن ثمة مخاطر تمكن في استعارة عناصر ، في هذا الإصلاح ، تنتمي لدولة أخرى في مجتمعات أخرى ، وعندئذ هذا لا يرتب فقط تناقضا مع الهدف ، حتى وإن لم يحدد بدقة، وإنما تخاطر أيضاً بأن سلبيات الإصلاح تفوق السلبيات التي استعدت الإصلاح.
ربما من ناقل القول ، التأكيد على أن كل دولة ، في كل مجتمع ، تجسد عقيدة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والقيم السائدة فيه مهمتها إعطاء محتوى لقيم الخير والحق والعدالة ، السائدة في المجتمع . والتي تختلف باختلاف المجتمعات . عندئذ استعارة عناصر مستمدة من شكل دولة ، في مجتمع آخر ، يجعل التناقض صريحاً بين مطلب الإصلاح وما يقضي إليه الإصلاح ، وبين القيم السائدة ، في المجتمع حيث يجرى إصلاح الدولة .
ليس هناك دولة محايدة ، بالنسبة لمجتمعها ، وقيمه العليا ، ولا يمكن هكذا استعارة ، قيم المجتمع حيث هي دولة .. الدولة هكذا ليست مجرد أداة محايدة ، يمكن استعارتها أو استيرادها كما نستورد سيارة .أو هاتف أو آلة ما .. الخ كل دولة أوروبية أو أمريكية ، وبناء دولة منها ، دون استعارة نظامها الاقتصادي والاجتماعي ، وسلمها القيمي ، وأيضا طريقة القيام بمهامها ، دولة الديمقراطية الليبرالية لا يمكن نزعها من النظام الاجتماعي والاقتصادي للديمقراطية الليبرالية ، واستخدامها في مجتمع آخر ، يختلف جذريا في نظامه الاجتماعي وسلمه القيمي .
إذا حدث هذا ، فإنه لا يكون إصلاحا بل تقريبا .
لقد عنينا هذا التغريب ، عندما استوردنا دولة جاهزة ، كما نستورد المباني الجاهزة ، على طريقة مفتاح في اليد ، هذه الدولة المستوردة ، ظلت غريبة عنا ، لا نتعرف فيها على أنفسنا ، وربما يرجع إليها هذا العداء الشديد للدولة....
إن علينا أن نصنع دولتنا ....
الدولة ، يجب أن تكون نتاج حاجة الناس ، وتطورهم الاجتماعي ، تخدم الهدف منها ، في إطار قيم المجتمع .
هذه الدولة ، في مجتمع يطالب الديمقراطية المباشرة ، ويرفض التفويض والإنابة ، ويتمسك بالعدالة الاجتماعية ، لا بد وأن تكون مختلفة جذريا ، عن الدولة في مجتمعات أخرى ، هذا الاختلاف ليس في التسميات فقط وإنما أيضا في طبيعة الدولة ، و وظائفها ، ودورها وفي مفاهيم مثل القطاعات السياسية والخدمية ...الخ في المجتمعات الرأسمالية يمكن الاستغناء عن الدولة ، او على الأقل حصرها في أضيق نطاق وإحلال السوق محلها ، هكذا السوق ينظم العلاقات بين الناس ، بينما في مجتمع يعطي الأولوية للعدالة ، ولا يمكن الاستغناء عن الدولة ، ولا تقليص دورها ، وهكذا بالضبط ما ينطق منه حل المشكلة الديمقراطية ، في الكتاب الأخضر ، حيث إنه في مجتمع يعطي الأولوية للعدالة ، لا يمكن تقليص دورها ، إذن يجب سيطرة المجتمع عليها .
في نظام الديمقراطية المباشرة .
في المجتمعات حيث الدولة مقلصة لأنها تخشى سيطرتها ، ولا تدرك سبيلا لإخضاعها ، هذا الخطر غير وارد في نظام الديمقراطية المباشرة.
من المعروف ا، الديمقراطية ، أيا كانت تتسم بضعف الفعالية ، لكن طلب الفاعلية القصوى ، يمكن أن يقود إلى الدكتاتورية ، وإذن يجب أن يكون الاختيار واضحا ، ونحن نشرع في إصلاح الدولة ، هل نريد الديمقراطية حتى وإن كانت ضعيفة الفاعلية ، بسبب أنها ديمقراطية ، أم نريد الفعالية على حساب الديمقراطية.؟
لست بهذا أبرر ضعف الفعالية ولا أدعي أنه قدر ولا أدعو إلى التسليم به ، وعد تفعيل الديمقراطية ، ولكن معرفة وتحديد الهدف من ناحية نتعرف على عيوب ما هو قائم ، وأسباب ضعف فعاليته ، كما يحدد لنا ما هو المطلوب إصلاحه ، وإذا لم نفعل تخاطر بأن الإصلاح ، حالما يتقرر وينفذ ونصطدم به في واقع الحياة ، يطرح مجددا ضرورة الإصلاح ، في حلقة مفرغة .
في مسألة إصلاح الدولة لم أسمع إشارة إلى المؤتمرات الشعبية ، مع أنها العنصر الأساسي في دولتنا ، فهل يعني هذا أنها خارج الدولة ؟ أو أن الآمر يتعلق فقط بإصلاح الجهاز الإداري والتنفيذي ؟ وهل إصلاح الجهاز الإداري والتنفيذي لإيطال بالضرورة المؤتمرات الشعبية ؟وهل يمكن أن يعهد بإصلاح الجهاز الإداري والتنفيذي للجهاز الإداري والتنفيذي نفسه ؟ والذي أداؤه موضوع شكوى الناس ، ويقصده الإصلاح ؟ إلا تخاطر هكذا بأن الجهاز الإداري ، والتنفيذي يقرر إصلاحات على مقاسه ، وليس وفق مهامه في الدولة الجماهيرية؟
الخلط هكذا واضح ، وهذه الأسئلة لا جواب بعد عليها ، تارة أسمع عن لجان إعادة هيكلة الجهاز التنفيذي والإداري ، وهذا يستبعد التشريعي – المؤتمرات الشعبية ، و تارة أسمع عن إعادة هيكلة الدولة ، لكن هذا يتضمن بالضرورة ، التشريعي ولا يمكن أن يعهد به للجان ،ولا أن يتخذ فيه قرار إلا صاحب السيادة ، إصلاح الدولة مسألة أهم وأخضر من أن تترك للجان ، هذا يجعل ما تنتهي ليه مطعونا في شريعته وإنما يجب أن يكون نتاج اتفاق اجتماعي ، واسع بقدر ما هو عميق ، أو على الأقل ، يجب أن يطرح ما تنتهي إليه اللجان على المؤتمرات الشعبية ، باعتبارها المشرع الوحيد.
لقد أشرت ، فيما سبق إلى أن مفاهيم كثيرة يختلف محتواها باختلاف النظم الاجتماعية والاقتصادية ، وأشكال الدول ، مثلا تعريف القطاعات السيادية ، كما شاع منذ آدم سميت وكتابه ثورة الأمم ، وهو صالح في شكل دولة الديمقراطية الليبرالية ، المنفصلة والمتميزة عن أمتها ، التي أطلق عليه مؤرخو الاقتصاد ، الدولة جندرمة ، أو الدولة بوليس ، أو تادبا الدولة غفير لأن دورها انحصر في كفالة الأمن بشقيه الداخلي والخارجي ، وهذا ينطلق من مفهوم للأمن ضيق جدا ، يجعله محصورا في القمع الذي يقوم به البوليس – أمن داخلي – والجيش – أمن خارجي كما يتطلب هذا الشكل الانتخابات والنيابة في إدارة دولة الحد الأدنى هذا أو دولة الأمن ، باعتبار أن الأمن هو الشيء العمومي المشترك بين أفراد المجتمع ، لكن في مجتمع مختلف في عقيدته ، مثل هذا التعريف للأمن ، ليس صالحا ، مثلا البوليس مهمته قمع الأضطرابات والجريمة ، وكفالة أمن الدولة داخلياً ، لكن عندما نسال لماذا الأضطرابات ؟ ولماذا الجريمة ؟ ولماذا المساس بأمن الدولة ؟ سوف نجد ، وآدم سميت يعترف بهذا إن الجهل والأمية أشد خطراً على أمن الدولة وأمن المجتمع ، من الجريمة والاضطرابات بل أن الجهل والأمية يلعبان دورا مهماً في تفشي الجريمة وفي شيوع الأضطرابات والإخلال بالأمن ، وحتى المساس بأمن الدولة ، والوحدة الوطنية . إن اضطرا بات الضواحي في بلدان أوروبية يعطينا برهانا ، على ما يفعله المهمشون .. هكذا الجهل والأمية ، ورد يفهما الفقر ، وتفكك النسيج الوطني ، نتاجهما ، أخطر على الدولة مما تعد له البوليس لقمعه . وحيث إن قمع الجهل والأمية ، والحفاظ على التماسك الوطني والاجتماعي ، لا يمكن أن يحقق بالبوليس والسجون ، وإنما بالتعليم وترقية الوعي الوطني ، كما أن للتعليم دور مهم في رفع المستوى الاقتصادي للمواطنين ، وبالتالي المساهمة في مكافحة الفقر. الذي له آثار إيجابية في كفالة أمن الدولة كما لا يجب أن ننسى ، أن للبوليس وللسجون ، ولكل أدوات القمع ، تكاليف ، تزداد كلما تدني مستوى المواطنين الاقتصادي والثقافي ، حالة الجهل والأمية سوف تزيد جداً من هذه التكاليف ، مما يجعل تكاليف التعليم لا تقارن بتكاليف مكافحة ما يترتب عن الجهل والأمية خاصة فيما يتعلق بالوحدة الوطنية ، المدرسة الجمهورية العمومية ، في فرنسا ، صنعت فرنسا الجمهورية . هكذا قد لا نبالغ إذا قلنا إن تكاليف الأمن تزداد طرداً مع انتشار الجهل والأمية ، عندئذ لا يمكن اعتبار التعليم قطاعا ليس سياديا ، على العكس إنه أخطر وأهم القطاعات السيادية إنه القطاع الذي يصنع شعب المستقبل ، وليس فقط الذي يحافظ على أمن الحاضر كالبوليس . وهكذا أيضا الصحة ، أن تفشي الأمراض والأوبئة أخطر على الدولة من غزو خارجي تعد له الجيوش ، كما أن الجنود ، وهكذا البوليس – المكلفون بالأمن الخارجي إذا لم يكونوا أصحاء وإذا لم يكونوا أمنين مطمئنين على أولادهم ، فإنهم لا يستطيعون إنجاز مهامهم . أحد كبار الجنرالات ، في فرنسا ، ذهب حتى اعتبر أن النصر في الحرب يتحدد على المقاعد الدراسة .
في دولة الحد الأدنى ، الدولة جندرمة ، مفهومها للأمن ينحصر في أمن الدولة ، بينما تترك أمن الناس للسوق ، حيث الحرس الخاص وشركات الأمن الخاصة ، تبيع الأمن حسب سعر السوق ، هذا المفهوم للأمن لا يمكن الأخذ به في دولة مختلفة ، حيث مفهومها للأمن يختلف جذريا عنه في دولة الحد الأدنى أو الدولة جندرمة كما . تسمى الغذاء الصحة أمن التعليم أمن ، فرص العمل أمن الأمن البوليسي ليس إلا جزءا بسيطا ، رغم أهميته من أمن أعم وأشمل ، وهذا يعني أن مفهوم القطاعات السيادية ، وغير السيادية ، يجب أن يختلف أيضا ..
في دولة الديمقراطية المبشرة ، القطاعات السيادية هي ما يمارس فيه السيادة ، وما يخص كل المجتمع ، ولا يستثنى منه أحد ، وما يتطلب تمويلا سياديا ، أما القطاعات غير السيادية ، فهي تلك التي لا تخص إلا القائمين بها ، أو المنتفعين منها ، أي فئة من المجتمع وليس كل المجتمع . وعلى كل حال تحديد القطاعات السيادية وغير السيادية ، هو قرار سيادي لا يمكن أن يتخذ إلا من السيد.
هكذا لا جدال في أن إصلاح الدولة أمر لازم ، عندما تقتصر عن تحقيق الهدف المطلوب منها، لكن هذا الإصلاح يشترط :
- تحديد دقيق لما هو الهدف من الدولة ، إذ بناء على هذا تتحدد طبيعة الدولة ، وما هو مطلوب إصلاحه ، بدون هذا لا يكون إصلاح الدولة وإنما انقلاب على الدولة .
- تحديد واضح لمفاهيم القطاع السيادي والقطاع الغير السيادي ، طبعا وفق الهدف من الدولة كما يحدده السيد.
مبدأ الدولة كل شيء ، عرفنا مسائه ، لكن الدولة لا شيء ستكون كارثة .
- تحديد دقيق لما هو القطاع الخاص ، وما هو القطاع الأهلي ، لأن الخلط بينهما يجعل كل تقييم لهما مستحيلا ، إضافة إلى مخاطرات القطاع الخاص يستخدم القطاع الأهلي سترا

 

----------------------------------------------------------------------------------------------
 أ. د. رجب أبودبوس