إذا كان هناك من دروس وعِبر
نستخلصها بعد مرور نصف قرن
علي قيام أول وحدة عربية
سياسية في الزمن المعاصر في
22/2/ 1958 ف هو أن رايات
القومية العربية والوحدة
العربية أصبح حاملوها
ومعتنقوها يوصفون اليوم علي
أنهم حرس قديم ..
ورُغم أن الفكر القومي العربي
السياسي أُستخدم في البداية
للإنفصال عن الدولة الدينية
(العثمانية ) وكان المسيحيون
العرب هم من أكثر المتحمسين
له ، ونصبت لهم الدولة
الثيوقراطية الدينية
العثمانية وسفاحيها المشانق ,
وعلى الرغم من أن تهديم
الإمبراطورية العثمانية كان
هدفاً إستراتيجياً لقوميات
أوروبية ناشئة حققت وحدتها
حديثاً حيث أدى ذلك لنقل
الرياح القومية إلى تركيا
نفسها بقيام جمعية تركيا
الفتاة وقيام ثورة أتاتورك
الشهيرة ، والتي سبقتها سيطرة
القومية الطورانية علي الدولة
الدينية العثمانية وحَرم على
العرب تولي أية مهام قيادية
في الإمبراطورية العثمانية
حتى في أقاليمهم ، ومارست
العنصرية الطورانية على الوطن
العربي وسيطرت لمدة تزيد عن
أربعة قرون بدلاً من دولة
اتحادية أو دولة دينية واحدة
حيث تحولت هذه الدولة إلي
حالة إستعمارية ، ولهذا كان
في مقدمة الثائرين أنصار
وسليلي وأحفاد مؤسسي الدولة
الإسلامية , ونذكر هنا ثورة
الشريف حسين واتصالاته
ومراسلاته مع الدول القومية
الناشئة في أوروبا .
وحيث أن الشرعية القومية هي
التي جعلت من الأسر التي
تنتمي إلى الأشراف حكاماً
للوطن العربي من الجزيرة
العربية إلي مراكش ، ورضيت
هذه الأُسر بما ُقسم لها
نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو من
إقطاعيات وحيازات سميت
تجاوزاً دولاً , وظلت هذه
الأسر حبيسة العائلة ولم
تتطور حتى إلى القبيلة ناهيك
عن القومية , وهو ما أثبته
نصف قرن على قيام الوحدة هذا
من ناحية , ومن ناحية أخرى
فإن الأحزاب والجمعيات
والمنظمات التي تكونت علي
أساس قومي تبين أن لها
أهدافاً نقابية وفي مقدمتها
حماية المسيحيين العرب من
اضطهاد الدولة الدينية , ثم
أن هذه الأحزاب نقلت النموذج
القومي العلماني المسيحي
الأوروبي في بناء عقيدتها
وشبهت بين حال الكنيسة في
أوروبا المسيحية وحال رجال
الدين في الإسلام ، ولهذا
رفعوا شعار العلمانية ونقلوا
النموذج الفاسي الدكتاتوري
والشمولي وما سُمي بالحزب
القائد , ومن ناحية أخرى أدى
زحف القوميات الأوروبية
الناشئة على الوطن العربي
واقتسام الإمبراطورية
العثمانية ووقوع العرب تحت
إحتلال مباشر مرة أخري ،
وكِذب الوعود التي قدمها
داعموا الحركة القومية
لإقامة دولة عربية واحدة أدى
إلى جعل الجماهير العربية تقف
موقف شُبهة من الأحزاب
والحركات القومية ، وفتُر
حماسها القومي وغادرت الحركة
القومية إلى حركات أخرى
يسارية ويمينية وكان أبرزها
الأحزاب الشيوعية وحركة
الإخوان المسلمين , والتي
وقعت في نفس الخطأ الذي وقع
فيه القوميون حيث وصف الأول
القومية رجعية .. شوفينية
ووصفها الآخر بالكفر .
ولا أعتقد أن من يُنعت بالكفر
أو بالرجعية يتوفر له المناخ
الجماهيري ليحقق عملاً
وحدوياً , وبقي الناعت
والمنعوت خارج دائرة الفعل
الوحدوي العربي ، وهكذا قدمت
هذه الأمة خيرة شبابها
وتضحيات جمة دون جدوى لهذه
الحركة السياسية بفروعها
المختلفة , ولولا الفعل الذي
قام به عبدالناصر والعاطفة
القومية الموجودة في سوريا
ذاك الوقت لما تحقق هذا العمل
الوحدوي الذي نحتفل اليوم
بذكراه الخمسين والذي إنتكس
بعد ثلاث سنوات فقط من قيامه
لفتور العاطفة السورية
والممارسة غير الواعية من
الإدارة في دولة الوحدة ,
وكذلك مؤامرات الصهيونية
والإمبريالية والرجعية
العربية والتي كان نتيجتها
فيتو علي قيام أي وحدة في
المنطقة, ولتحقيق هذا الفيتو
زرعت دولة ما يسمى بإسرائيل .
والدرس الآخر الذي نعيه اليوم
هو أن الذين حاربوا الفكر
القومي يواجهون اليوم الفكر
المتطرف والحركات الإثنية
المدعومة خارجياً تمهيداً
لتفاصيل جديدة بعد سايكس بيكو
، فحتى الذين اعتقدوا أنهم
سيهنئوا بالدولة الإقليمية
المفصلة استعماريا داهمهم
قطار التقسيم الجديد والنموذج
العراقي واللبناني والسوداني
والصومالي مثالاً على ذلك .
كما ينبغي أن نعي اليوم أن
العالم دخل إلى مرحلة أخرى
بعد الوحدة القومية هي مرحلة
الفضاءات والتكتلات , وبما
أنه من حظ العرب أن فضائهم
الطبيعي هو الفضاء الإفريقي
والذي يرتبط معهم ارتباط دم
وانتماء ومصير ، وتعرض
تقريباً لنفس الظروف والأحداث
والحملات الاستعمارية
والاستهداف الدائم من القوي
الفاعلة في العالم , وحيث أن
العرب هم المجال الحيوي
لإفريقيا والعكس , وأن الأمن
العربي مرتبط أساساً بأفريقيا
وكذلك الأمن الإفريقي سواء
أكان ديمغرافياً أو
جيوإستراتجياً أو حتي ثقافياً
واجتماعيا ...إلخ ، فلا بد
للعرب إذا كان مازال لديهم
ذرة من الوعي الاستراتيجي
حكاماً ومحكومين أن يؤسسوا
الفضاء العربي الإفريقي والذي
بُنيت لبنته الأولى بتأسيس
الاتحاد الإفريقي , خاصةً أن
الفضاء الآسيوي ذو الأمم
المليارية بشرياً واقتصاديا
وتكنولوجياً لا يمكن أن يكون
للعرب مكان فيه ، وأن
البرنامج الاستراتيجي للقوى
الفاعلة في العالم اليوم
يرتكز علي استخدام الحالة
الاثنية والدينية في الوطن
العربي للسيطرة عليه ، ولا
يمكن تجاوزه إلا بالتقدم
للأمام في إتجاه وحدة
اجتماعية جغرافية حضارية ألا
وهي الإتحاد العربي الأفريقي
.
حسين السويعدي
|